الاثنين, 10 أغسطس 2026|25 صَفَر 1448
الاقتصادية

إن مؤتمر الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ الذي من المقرر أن يعقد في كوبنهاجن هذا العام, سيشكل تلك اللحظة في التاريخ، حيث تسنح الفرصة أمام البشرية للارتقاء إلى مستوى التحدي والتعامل بشكل حاسم مع هذه القضية. لم يعد هناك مجال لأي شك في أن الانبعاثات الغازية المسببة لظاهرة الانحباس الحراري لجو الكرة الأرضية لا بد من أن تنخفض جذرياً لمنع تغير المناخ من التحول إلى فوضى مناخية عارمة.

في بالي في عام 2007 التزمت الأطراف الـ 192 المشاركة في اتفاقية إطار عمل الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ, بالبدء في المفاوضات بشأن تعزيز إجراءات مكافحة تغير المناخ. ومن المفترض أن تبلغ هذه العملية ذروتها بالتوصل إلى اتفاق طموح من خلال المفاوضات بحلول نهاية عام 2009، وهو الاتفاق الذي من المفترض أن يبدأ العمل به قبل كانون الثاني (يناير) 2013.

وهذا لا يترك لنا سوى تسعة أشهر لإتمام واحدة من أشد عمليات التفاوض الدولي تعقيداً اليوم. في العام الماضي توصل المفاوضون إلى فهم أفضل للغايات التي ينبغي أن تتحقق من الجوانب المختلفة لخطة العمل التي اتفقوا عليها في بالي، واجتهدوا في جمع الأفكار والاقتراحات. والآن بلغت العملية السياسية مرحلة حيث بدأت مناطق التقارب في البروز, وهذه المناطق ستشكل الأساس الذي سيقوم عليه اتفاق تمهيدي يتم تقديمه إلى قمة بون في حزيران (يونيو) من هذا العام.

ولكن لكي تدخل اتفاقية كوبنهاجن حيز النفاذ في مختلف أنحاء العالم قبل عام 2013, فلا بد لها أولاً من تلبية المتطلبات السياسية للبلدان المشاركة كافة, ولكي يحدث هذا فإن الأمر يتطلب الوضوح بشأن أربع نقاط سياسية رئيسة هذا العام.

أولاً، لا بد من أن تكون الأمور واضحة بشأن الأهداف الطموحة والملزمة قانوناً فيما يتصل بالحد من الانبعاثات الغازية في البلدان الصناعية. فمن دون تحديد هذه الأهداف لن يتخذ المجتمع الدولي الإجراءات اللازمة للتعامل مع تغير المناخ، فضلاً عن ذلك فإن البلدان النامية لن تكون على ثقة باستعداد البلدان الصناعية لتولي زمام المبادرة في حل المشكلة التي تسببت في خلقها.

هناك بعض الإشارات الإيجابية في هذا الاتجاه, على سبيل المثال، اتفقت بلدان الاتحاد الأوروبي على خطة في التعامل مع المناخ والطاقة التي ستمكنها بحلول عام 2020 من تحقيق هدف تخفيض الانبعاثات الغازية بنسبة 20 في المائة من كل ما يتجاوز المستويات التي بلغتها الانبعاثات في عام 1990 (أو 30 في المائة إذا ما حذت البلدان الصناعية الأخرى حذو بلدان الاتحاد الأوروبي). وفي الولايات المتحدة أشار الرئيس باراك أوباما إلى اعتزامه تحقيق هدف تخفيض الانبعاثات الغازية المسببة لظاهرة الانحباس الحراري بنسبة 80 في المائة بحلول عام 2050، والعودة بمستويات الانبعاثات في الولايات المتحدة إلى المستويات التي كانت عليها في عام 1990، وذلك بحلول عام 2020. ومن المنتظر في بحر هذا العام أن تعلن بلدان أخرى، مثل روسيا واليابان، عن أهداف الحد من الانبعاثات في الأمد المتوسط.

ثانياً، يشكل الوضوح ضرورة قصوى فيما يتصل بحجم تدابير التخفيف اللائقة التي تستطيع البلدان النامية الكبرى أن تتعهد باتخاذها على المستوى الوطني, إلى جانب ما تقوم به من جهود بالفعل. فبالنسبة لعديد من البلدان الصناعية، وخاصة الولايات المتحدة، سيكون من الصعب للغاية إقرار أي اتفاق ما لم ير مواطنوها أن البلدان النامية الكبرى أيضاً على استعداد لمزيد من المشاركة.

هناك عدد من البلدان النامية، مثل: الصين، الهند، البرازيل، وجنوب إفريقيا، التي وضعت بالفعل استراتيجيات وطنية في التعامل مع تغير المناخ والطاقة، وهو ما يشير إلى مدى شعور هذه البلدان بقدرتها، في إطار القيود الاقتصادية المفروضة عليها، على التعامل مع هذه القضية. فضلاً عن ذلك فقد تقدم عدد كبير من البلدان النامية بأفكار واقتراحات بمزيد من تدابير التخفيف اللائقة التي تستطيع اتخاذها على المستوى الوطني.

ثالثاً، الوضوح أمر أساسي فيما يتصل بالتمويل, إذ إن حجم العمل الذي ستتولاه البلدان النامية سيعتمد إلى حد كبير على التوجيه الفاعل للتمويل وتسليم التكنولوجيا النظيفة من خلال العمل التعاوني الدولي. ومن الأهمية بمكان أن نتعرف على حجم الموارد المالية التي سيتم توليدها لمساعدة البلدان النامية على الحد من نمو الانبعاثات الغازية الصادرة عنها والتكيف مع التأثيرات المترتبة على تغير المناخ.

وفي هذا السياق ظهرت أفكار مثيرة للاهتمام, على سبيل المثال، اقترحت البلدان الصناعية بيع حقوق إطلاق الغازات بالمزاد واستخدام جزء من عائدات البيع لأغراض التعاون الدولي ـ وهو ما تقوم به ألمانيا بالفعل. ويبرز هذا المفهوم أيضاً في مشروع قانون ليبرمان - وارنر، وهو مثال للتشريعات التمهيدية الخاصة بتغير المناخ في الولايات المتحدة. كما تقدمت النرويج باقتراح لتحويل حصة من ميزانيات انبعاث الغازات في البلدان الصناعية إلى نقود، بغرض توليد الموارد للتعاون الدولي.

ستستمر عمليات مقايضة الانبعاثات إلى جانب الآليات القائمة على السوق في الاضطلاع بدور كبير, ولكن خطة عمل بالي تتعامل مع ضرورة تبني البلدان النامية تدابير التخفيف اللائقة على المستوى الوطني, ولأن سوق الكربون ليس من الممكن أن تعمل كأداة وحيدة, فإن التعاون بين الحكومات أيضاً سيكون لازماً.

وختاماً، لا بد من الوضوح بشأن بنية الحكم في إطار الاتفاقية. وإذا ما كان لنا أن ننجح في توليد قدر كبير من الموارد المالية اللازمة لتنفيذ تدابير التخفيف والتكيف، فلا بد من أن يكون للبلدان النامية صوت تمثيلي فيما يتصل بكيفية تخصيص وإنفاق هذه الأموال. ومن الأهمية بمكان أن تعمل بنية الحكم وفقاً للمبادئ الديمقراطية المؤسسة على المساواة.

لا شك أن عديدا من الشواغل والهموم ستنشأ عن المفاوضات المكثفة التي سيشهدها هذا العام. ولكن الوضوح في هذه الأمور الأربعة سيشكل عاملاً على قدر عظيم من الأهمية من أجل إحراز النجاح في كوبنهاجن.

خاص بـ "الاقتصادية"

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2009.

www.project-syndicate.org

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية