الأربعاء, 12 أغسطس 2026|27 صَفَر 1448
الاقتصادية

مهمة القانون هي تنظيم المصالح بين الأفراد لكي تكون مشروعة في غاياتها ووسائلها, خصوصا تلك المصالح المتعارضة مع القانون أو الأخلاق فحينما يكون العمل غير مشروع فإن المسميات التي تنطبق عليه تتدرج من الأعلى إلى الأسفل, فهناك الجريمة بأنواعها المختلفة ونزولا حتى نصل إلى الحقوق المالية المكتسبة بطرق غير مشروعة ومنها الاحتيال المالي الذي عانى منه أغلبية من تعاملوا في السوق وكانوا ضحايا له بسبب الإغراء الذي تعرضوا له ولطالما نادى المختصون بعدم مصداقية المقولة أن القانون لا يحمي المغفلين, ولكن الوقائع تثبت كل يوم جديد في عالم الاحتيال أن من المغفلين من يعرض نفسه وماله ليكون ضحية خلافا لمجريات الأمور حيث ينصب المحتالون شراكهم دوما ولكن عندما يلقي الضحية بنفسه في متاهات الاحتيال فإن صفة الفعل غير المشروع تنطبق عليه بالقدر نفسه الذي ينطبق على الجاني, فكلاهما جان لا يعذر في فعله.

ولأنه لم يمض وقت طويل من تلك الإفاقة التي أعقبت السقوط في شراك الاحتيالات المتنوعة من المساهمات المالية والعقارية وعمليات النصب الجماعية التي أتت على الأخضر واليابس من أموال المدخرين وكشفت عن هشاشة الوعي القانوني والفهم المطلوب لدى الشخص العادي حتى ظهرت فجأة أسراب من الضحايا يندفعون نحو مكائن الخياطة القديمة للبحث عن وهم لا يعرفون عنه سوى اسمه البراق, إنه الزئبق الأحمر الذي ظنه كثيرون كنزا مدفونا تركه لهم حسن الحظ لينقذهم من مأزقهم المالي, وبالقدر الذي كان فيه الضحك كبيرا كانت المفاجأة أكبر حيث لا يزال هناك من يفكرون في أن يجدوا مالا يخبئه لهم القدر في مكان مجهول وعليهم أن يكتشفوه بأنفسهم.

إن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة, كما أن المال لا يكتسب إلا بالعمل الجاد الإيجابي والإنتاج المبدع الذي يعطي قيمة للفرد والمجتمع ويضيف رقما في الناتج القومي ولن نستطيع مساعدة القانون في أداء دوره ما لم نتفهم حقيقة وقيمة العمل, فقد انتهى الدرس واستفاد منه من كان له قلب يعي حقائق الأمور, وإننا اليوم في أمس الحاجة إلى أن نقف على الأفكار السلبية في اكتساب الرزق ومعرفة كيفية التعامل مع المتغيرات الاقتصادية من حولنا وإن من يعرف الماضي وكيف قسا على الآباء والأجداد ليقف موقف الإكبار لأولئك الرجال الذين لم يتغير معدنهم الأصيل أمام أعتى أزمات الفقر والجوع والفاقة فلم يهرولوا للبحث عن الوهم ولم يهربوا من معركة الحياة القاسية, بل واجهوها بكل عزم وإصرار, سلاحهم في ذلك الإيمان والعزيمة والرضا بما قسمه الله لهم.

إن الخسارة الأكبر هي عدم وجود تحسن في فهم قيمة العمل وعدم اكتساب سلوكيات إيجابية, فمصادر الرزق متعددة أمام الأفراد والسوق مليئة بالفرص التي يمكن وصفها بالفعل أنها ذهبية لأنها تعطي للفرد العمل الذي يبحث عنه, ومن المؤكد أن كثيرين من شبابنا لم يستطيعوا أن يعيشوا بقيم الماضي وفي الوقت نفسه لم يستطيعوا أن يعوا حاضرنا الاقتصادي ومتطلبات النجاح في سوق العمل, فالبطالة مسؤولية الإنسان أولا ليغير واقعه بحسب قدراته ومؤهلاته وبما يلائم الاحتياجات القائمة في سوق العمل, وإن من المؤسف أن يخسر بعض الشباب رأس المال اليسير في مغامرات الجري خلف الثراء السريع بدلا من تشغيل رأس المال في مشروع صغير يوفر للفرد منهم الحياة الكريمة التي يحتاج إليها. وإذا كانت الرفاهية والثراء طموح وهدف كل فرد فإن البيئة ستبقى مواتية لاصطياد كل من يستسلم لخياله مصدقا الأوهام ولن يكون اللوم على كفاءة القوانين وفاعلية الأجهزة الرسمية ما دام مستوى الوعي لم يصل إلى الحد الذي يفرق فيه الأفراد بين ما يضرهم وما ينفعهم.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية