فجرت أسطورة ماكينات الخياطة مجددا قضية ثقافة الإثراء السريع، ولهف البعض في مطاردة الوهم ولو من خلال إشاعة للوصول إلى ذلك الحلم في غمضة عين، والمبالغ الخرافية التي سرت كالحمى الوبائية بين الناس في سبيل الحصول على الزئبق الأحمر تكشف بوضوح عن خلل ما في ثقافتنا التجارية التي لا تزال تنتظر مصباح علاء الدين السحري كمسوغ وحيد لبناء أساس مالي مريح.
هنالك أكثر من سابقة كانت كافية لأن تعري تجارة الوهم، بدءاً بقضايا توظيف الأموال وإغراءاتها التي أكلت مدخرات كثيرين، وقضايا بطاقات سوا وبعض المساهمات العقارية وغيرها، لكن يبدو أنها كلها لم تستطع أن تصمد أمام تلك الأوهام المرضية التي لا تزال تسيطر على الذهنية الجمعية، وتدفع كثيرين حتى من المتوجسين لتقمص شخصية أشعب الشهيرة والمائدة الأكذوبة إمعانا في عدم تفويت الفرصة بذريعة أنها قد تكون صحيحة.
هذه الحالة من السعار المالي هي نتيجة وليست سببا، هي نتيجة تعويضية لخسائر سوق الأسهم، والبحث عن غطاء مالي سريع لا يستسلم لقاعدة البناء التجاري الذي يأخذ درجات السلم من البداية، الجميع يريد أن يصل قبل غيره إلى أقصى ما يمكن الوصول إليه في ذلك السلم، وهنا يفقد كثيرون القدرة على التمييز ما إذا كانت تلك العتبات التي يضعون عليها أقدامهم عتبات صلبة أم أنها مجرد ألواح من الوهم ما تلبث أن تتهاوى تحت أقدامهم.. ثم يأتي غياب التوعية المؤثرة في خلق ثقافة تجارية رصينة من قبل الجهات المعنية، ليفسح المجال أكثر لسيطرة الوهم على السوق، الذي يصبح قابلا لأن يسلم قياده لأي إشاعة عابرة تفعل به ما تشاء.
وحتى لو افترضنا حسن النية في إشاعة قضية ماكينات الخياطة، وهو افتراض بعيد، فإن حجم الاستجابة لتلك الإشاعة، والمبالغ الخرافية التي وضعت تحت تصرفها، يجعلانا نقف في مواجهة أخطبوط لا أحد يعرف إلى أين سيتحرك بأقدامه المتعددة، ما يزيد الأمر سوءا، ويستحلب أموال المواطنين باتجاه خردة لا قيمة لها بعد أن تتكشف الحقائق، بدلا من استثمارها في أوعية مالية مسؤولة وفق قواعد الاستثمار المعروفة، وهي إشكالية كبيرة يمتزج فيها التجاري بالأخلاقي بالثقافي، بحيث يصعب الفصل ما بين معطياتها، وهذا ما جعلها تتدحرج مثل كرة الثلج بهذه السرعة المهولة التي قفزت بأسعارها إلى هذه الأرقام المفزعة.
وإذا ما كان تعاملنا مع تجارة الوهم من خلال تلك السوابق قد كشف عن قصور فظيع في طريقة التعاطي معها، فإن قضية ماكينات الخياطة والزئبق الأحمر قد وضعت العنوان الصعب لهذه التجارة الوضيعة التي تلعب على توظيف هواجس البعض بتسويق المن والسلوى دون معرفة مَن يقف خلفها ومَن المستفيد، لأن دخول العواطف إلى السوق ليس مجرد نوع من القمار اللاأخلاقي، وإنما هو ابتزاز بشع سيؤثر في قواعد العمل التجاري برمته، وسيضيف إليه مزيدا من عدم الثقة، ما يزيد من تفاقم ثقافة الإثراء السريع على حساب البحث عن العمل المنتج.
لقد أخذت الإشاعة البعض ذات يوم إلى النبش في بعض التلال بحثا عن الذهب، ومطاردة وهم أكذب من السراب، وأخذتهم مرة أخرى إلى رفع الصخور باستخدام الجرافات بما يشبه الأعمال الشاقة فيما كان يُعتقد أنها قبور لبعض حضارات قديمة للسبب ذاته، ولا تزال مطاردة وهم الثراء السريع تفرض ثقافتها إلى أن نصل إلى آلية تحتكم إلى استنفار العقول في الميدان التجاري، بدلا من استنفار العواطف بالأوهام التي تسيل اللعاب.
