تسجيل الدخول كلمة المرور
مستخدم جديد
الثلاثاء 1430/4/11 هـ. الموافق 07 إبريل 2009 العدد 5657  
انت الآن تتصفح عدد من الارشيف, نشر قبل 347 يوم . عودة لعدد اليوم
طباعة طباعة
انشر الخبر في الفيس بوك انشر الخبر في تويتر حفظ ارسل لصديق طباعة علق


مصيدة التسعير الحكومي التعليم والكوارث مثالاً



د. أنس بن فيصل الحجي

تبين من القصص التي وردت في المقالات الماضية أن التسعير الحكومي، سواء عن طريق التسعير المباشر أو الإعانات، آفة اقتصادية كبيرة. المشكلة أن استئصالها صعب جدا لأسباب أغلبها سياسية.

التعليم والابتعاث

تفاديا للحساسيات، لن أذكر أسماء الجامعات، ولكن خلاصة الأمر أن كثيرا من الجامعات الحكومية في أمريكا الشمالية وأوروبا تشترط رسوما على الطالب الأجنبي أعلى بكثير من الطالب الأمريكي أو الأوروبي. هذه "التسعيرة" للرسوم تحددها حكومة الولاية إذا كانت الجامعة أمريكية أو الحكومة المركزية إذا كانت الجامعة أوروبية. نتج عن هذا التسعير الحكومي للتعليم أن هذه الجامعات بدأت تفضّل قبول الطلاب الأجانب على قبول الطلاب المواطنين. لوحظت هذه الظاهرة منذ زمن بعيد، إلا أنها تفاقمت في الفترات الأخيرة بسبب الضائقة المالية التي وقعت فيها الجامعات بسبب انخفاض الدعم الحكومي من جهة، وخسارة صناديق الجامعات لأموال ضخمة بسبب الانهيار المالي.

ومن المعروف أن لكل ولاية أمريكية جامعاتها التي تشرف عليها حكومة الولاية، وأن ما يدفعه مواطنو الولاية رسوما للجامعات أقل بكثير مما يدفعه المواطنون من خارج الولاية، بما في ذلك الطلاب الأجانب. إلا أنه تم إلغاء هذه الفروق في السنوات الأخيرة في أغلب الجامعات الأمريكية بسبب التنافس بين هذه الجامعات لجذب أفضل الطلاب، وبسبب التحالفات بين هذه الجامعات، خاصة على المستوى الإقليمي. ونتج عن ذلك أن الرسوم العالية يدفعها الطالب الأجنبي فقط، الأمر الذي دفع بكثير من جامعات الولايات الحكومية إلى قبول عدد كبير من الطلاب الأجانب في الفترات الأخيرة على حساب الطلاب الأمريكيين بسبب محدودية عدد الكراسي، والأمر نفسه ينطبق على بعض الجامعات الأوروبية، خاصة البريطانية منها.

لقد أصبح التسعير الحكومي للتعليم بهذا الشكل مصيبة للجميع. فالتسعير الحكومي في الولايات المتحدة هدفه مساعدة الطلاب الأمريكيين، ولكن بعض الطلاب لايستطيعون الحصول على قبول. أما الذين حصلوا على قبول فإنهم يعانون انخفاض مستويات التعليم بسبب قبول أعداد كبيرة من الطلاب الأجانب بمستويات متدنية لغويا وعلميا. أما بالنسبة للطلاب الأجانب فإنهم لايحصلون على التعليم "الأمريكي" بالشكل الذي ترغبه حكوماتهم أو أهلهم الذين ابتعثوهم لأنهم قبلوا بسبب "قدرتهم على الدفع" وليس بسبب مؤهلاتهم العلمية، لدرجة أن بعض الجامعات شكلت وفودا لزيارة بعض الدول الخليجية لجذب المزيد من الطلاب لدعم موازنة الجامعة. وكما ذكرت سابقاً فإنني سأتفادى ذكر أسماء الجامعات، ولكن هناك قصصاً مخزية فعلاً، حيث تم قبول طلاب لايمكن لجامعة مرموقة أن تقبلهم، وتم تنجيح الطلاب في معهد اللغة ودخول الجامعة من دون أن يكونوا مؤهلين لغويا لدخول الجامعة، كما قامت بعض الجامعات بتوجيه خطاب للأساتذة بإعفاء الطلاب السعوديين من الامتحانات أثناء شهر رمضان إذا طلب الطالب ذلك!. وسوغت بعض الجامعات قبول الطالب الأجنبي قبل إنهائه دورات اللغة الإنجليزية بأن نجاح الطالب الأجنبي في امتحان التوفل يؤهله للذهاب إلى جامعة منافسة، الأمر الذي يؤدي إلى خسارتها للرسوم التي يدفعها هذا الطالب. وقد رأيت بعيني كيف تقوم بعض الجامعات الأمريكية بتسهيل الأمور للطلاب الخليجيين ورفع درجاتهم لجذب المزيد من الطلاب الخليجيين الذين يدفعون ثلاثة أو أربعة أضعاف ما يدفعه الطالب الأمريكي من رسوم جامعية. المشكلة أن الرابح من هذه السياسات هو الطالب الأجنبي الكسول، والخاسر هو الطالب الجاد. باختصار، التسعير الحكومي لرسوم التعليم بهذا الشكل حطم التعليم، حتى في الجامعات الأمريكية المرموقة، والجميع، بما في ذلك دول الخليج، يدفع ثمن هذه السياسات. لا شك أن لدافع الضرائب الحق في أن يحصل على تعليم مجاني أو تعليم أقل تكلفة من غيره، ولكن سياسة تسعير التعليم بهذا الشكل ليست هي الحل، وهناك حلول أفضل.

التسعير الحكومي أثناء الكوارث

ذكرت أكثر من مرة في المقالات السابقة أنه لو كان في التسعير الحكومي خير لأمر به الإسلام. وذكر بعض الأخوة أن هناك ضرورة، حتى في ظل نظام إسلامي، لتدخل الحكومة في التسعير، خاصة في فترات الشدة والكوارث حتى لا يتم استغلال الناس. الحقيقة أن استغلال الناس شيء، والتسعير شيء آخر، ولا يوجد هناك دليل شرعي من السيرة النبوية أو من فترة الخلفاء الراشدين على أن الحكومة قامت بالتسعير حتى في أوقات الشدة. إلا أن نظرة سريعة حول العالم إلى المناطق التي عانت كوارث وقامت فيها الحكومة بتبني نظام تسعير للمواد الأساسية، بما في ذلك بعض الولايات الأمريكية، يوضح أن التسعير الحكومي زاد الطين بلة، وجلب مصيبة إضافية حيث اختفت المواد الأساسية من السوق تماماً، ولم يتم الحصول عليها إلا بأسعار عالية في السوق السوداء... حتى في أمريكا.

عند حصول فيضان أو إعصار أو جفاف أو أي كارثة أخرى، فإن الطلب على السلع الأساسية يرتفع. في الوقت نفسه ينخفض العرض بسبب الدمار الذي حصل في المنطقة من جهة، وبسبب عدم القدرة على توصيل هذه المواد إلى المناطق المصابة من جهة أخرى. انخفاض العرض وارتفاع الطلب يعني ارتفاع الأسعار، ولكن السعر الحكومي المنخفض يمنع هذه الزيادة الطبيعية في الأسعار. هذا التسعير الحكومي يلغي الحافز لدى التجار من بيع هذه السلع في المناطق المصابة، ويحفزهم على تحويلها إلى مناطق أخرى. أما بالنسبة للتجار المحليين فإنهم يفضلون بيع بضائعهم في المناطق الأخرى بدلا من منطقتهم. النتيجة هي ندرة السلع والخدمات في وقت يحتاج إليها الناس.

في هذا السياق لا بد من ذكر أمر آخر وهو أنه في الدول التي تقوم فيها الحكومات بتسعير الخدمات الصحية، بما في ذلك كشفية الطبيب، فإن الحل الوحيد أمام الطبيب لزيادة دخله هو أن يكشف على أكبر عدد ممكن من المرضى في اليوم! (والأمر نفسه ينطبق على قيام المستوصف أو المشفى بإعطاء عمولة للطبيب على كل مريض).

وقبل أن يبدأ البعض بالحديث عن مزايا الاقتصاد الإسلامي وأخلاقياته لتفادي المشاكل أعلاه، أذكّرهم أن النظام الاقتصادي الإسلامي نظام إلهي، ولكن التطبيق بشري، الأمر الذي يفسح المجال أمام سياسات حكومية خاطئة. وأذكرهم أيضا أن الاقتصاد، حتى في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعهد الخلفاء الراشدين، عانى مشاكل التضخم والبطالة وعانى الناس الإفلاس. وأذكرهم أيضا أنه آلاف الصفحات من "فقه المعاملات" بما في ذلك "الإفلاس" كتبت للمسلمين، وليس لغيرهم. هذا ليس إنقاصا من شأن الاقتصاد الإسلامي، ولكن تأكيدا على أنه اقتصاد عملي تدرك قوانينه طبيعة النفس البشرية، وتدرك الثوابت الفيزائية للكون، وتدرك أنه من جدّ وجد، وأنه ليس للخامل في هذه الدنيا نصيب، حتى في ظل خلافة راشدة.

الاقتصاد الإسلامي هو الحل، ولكنه اقتصاد له رجاله.. بكل ما تحمله كلمة "رجولة" من معنى.

عدد القراءات: 1369
طباعة طباعة
انشر الخبر في الفيس بوك انشر الخبر في تويتر حفظ ارسل لصديق طباعة علق



12 تعليق

  1. عبد الرحمن (1) 2009-04-07 04:28:00

    إذا كان خير الكلام ماقل ودل، فإن العبارة الأخيرة تكفي " الاقتصاد الإسلامي هو الحل، ولكنه اقتصاد له رجاله.. بكل ما تحمله كلمة "رجولة" من معنى"
    بورك فيك يا "رجل"

  2. ريان حافظ (2) 2009-04-07 10:29:00

    أتفق معك إلى حد كبير على وجوب فتح السوق والحد من التسعير والدعم المباشر وغير المباشر للسلع لكن الاشكالية والغبن ستكون للطبقة الفقيرة وما دون المتوسطة حتي لو افترضنا ان كثيرا من هذه الطبقات متضررون في جميع الحالات. فهولاء يجب علينا أن نوفر لهم دعم وتسعير خاص للسلع الرئيسة. فمثلا نستطيع أن نعطي كل أسرة كوبونات لشراء 10 لترات بنزين يوميا بسعر 60 هللة للتر وما زاد عن ذلك يكون بسعر السوق وهكذا لباقي السلع.

  3. محمد عبد الهادي (3) 2009-04-07 10:31:00

    السلوكيات التي ذكرتم أمثلتها متوافقة مع مفهوم "الرجل الرشيد" في كتب الاقتصاد، ولكن اسمح لي أن أقول أن ذلك الرجل جشع نهم بليد الإحساس. وهنا الفرق الكبير بين سلوك المسلم الواعي بقيم دينه ضمن منظومة وثيقة الترابط من القيم والأخلاق. ولا تخفاكم قصص الإيثار التي كتبت وشهد بعضنا على الأقل أمثلة منها عيانا في من أهل الجيل السابق، ومثلهم موجودون الآن، ولكن قليل ما هم.

  4. محمد عبد الهادي (4) 2009-04-07 10:41:00

    في حديث للنبي عليه الصلاة والسلام "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي". فلا مطمع إذا لأحدنا أن يدعي الكمال في هذا الشأن أو في غيره، ولا هو مطلوب أصلا. بل المطلوب هو النية الصادقة والسعي، وما لا يدرك جله لا يترك كله يا دكتور.
    فلا أجد معنى لأن ننتظر رجلا بكل ما تحمله كلمة رجولة من معنى لنبدأ في تطبيق مباديء وأسس واضحة وبسيطة على قدر الإمكان.

  5. خالد المالكي (5) 2009-04-07 11:30:00

    جزاك الله خير يادكتور . .
    عندما قال رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام أن المسعر هو الله. أنهى الجدل حول رأي الإسلام في التسعير بشكل قطعي . .
    وبالتالي فإن الجدل لابد أن يدور جول البدائل . .
    وبما أنك بدأت هذه السلسة فنحن ننتظر منك سلسلة أخرى حول بدائل التسعير . .

  6. سعودية (6) 2009-04-07 12:55:00

    الله يوفقك يا دكتور ، جزاك الله خيرا

  7. ابورائد (7) 2009-04-07 13:22:00

    الله يوفقك يا دكتور ، جزاك الله خيرا
    ولاكن لماذا لم تضع الحكومة سوبر ماركت خاص بها
    او تضع الاسعار على المواد الغذائية لحد من التلاعب بين
    التجار فكلما ذهبنا الى سوبر ماركت نلاحظ السعر يغير
    وشكرن
    اخوك
    ابورائد

  8. العمري (8) 2009-04-07 14:42:00

    اعتقد أنه قبل التكلم عن إنهاء تسعير الدولة يجب أولاً إنهاء الإحتكار بكافة أشكاله فمن وجهة نظري سبب التسعير هو الإحتكار

  9. الهاجري (9) 2009-04-07 15:03:00

    هذا يدل على أن هناك مؤامره من قبل أمريكا حتى تزيد من تدني مستويات الطلاب العرب ويبقى النجاح و التفوق للغرب. لذلك على الطلاب العرب أن لا يقعوا في هذا الفخ.

  10. فهد الغانم (10) 2009-04-07 17:47:00

    هل هناك فعلاً اقتصاد إسلامي بمعنى وجود نظريات ونماذج اقتصادية وطرق تحليل يتفرد بها أم هي مبادئ كلية؟
    وإن كانت مبادئ وكليات لتنظيم التعامل بين البشر فهل يصح أن يطلق عليها "علم الاقتصاد الإسلامي"؟
    ومما يزيدني عجباً أن لا أحد حصل على جائزة نوبل في الاقتصاد برغم تشدقنا بالاقتصاد الإسلامي!

  11. نوار (11) 2009-04-07 22:51:00

    أخي الدكتور:
    إذا اعتبرنا أنّ مسألة التسعير تخدم المنتج والمستهلك معا فلا بدّ من وجود من يشرف على التسعير؛ فوجود لجان من خبراء السوق قد يكون أمرا غير إشكالي... وأرى أن دور الدولة يعدّ حاسما إذا تبنّت قرارات لجان تسعير مختصة من المنتجين والمستهلكين وقانونيين واقتصاديين... لو اقتصر دور الدولة على محاسبة المخالفين والمتلاعبين بالأسعار فلا أعتقد أنه يغيّر من الإنصاف المأمول.

  12. Abdulaziz Alkhowaiter (12) 2009-04-08 10:52:00

    ((الموقع لا يسمح بنشر التعليقات بغير اللغة العربية))


  • اضف تعليق
  • ارسل لصديق
التعليق مقفل
اسم المرسل بريد المرسل
بريد المستقبل (يمكن اضافة اكثر من عنوان بريدي، مفصولة في ما بينها بمسافة او فاصلة)
تعليق

د. أنس بن فيصل الحجي

د. أنس بن فيصل الحجي

اكاديمي و خبير في شؤون النفط

a@aalhajji.com


اشترك في خدمة RSS : RSS

بحث:د. أنس بن فيصل الحجي

بحث في المقالات:

الأكثر تفاعلاً