الجميع يعلم أن للنجاح طرقا عديدة ومسالك متعددة ولكن لا يوجد طريق يخلو من المشكلات ولا يوجد نجاح من دون عقبات ومشكلات, فالوصول إلى الهدف تزداد حلاوته وتتعاظم قيمته بحجم وصعوبة المشكلات التي تعترضه. فلا مفر من المشكلات لمن يريد النجاح, فردا أو جماعة, وبالتالي فلا بد لنا من ثقافة تحبب لنا المشكلات ولا تنفرنا منها. ولما كانت الثقافة هي التي تتكفل بتعديل المعوج من نظرتنا ورؤانا للحياة والأشياء من حولنا فعلينا أن نستنجد بالثقافة لتعدل من فهمنا للمشكلات. الثقافة وحدها هي التي تستطيع أن تقنعنا بأن عالم المشكلات هو عالم الفرص, ومن يرفض أن يدخل هذا العالم سيبقى خارج دائرة الحياة.
فذكاء الحياة هو ألا نهرب بأنفسنا من المشكلات بل أن نستقبلها ونصر على مواجهتها إيمانا منا بأن وراءها نعما وفرصا هي التي ستفتح لنا الأبواب لتغيير أحوالنا إلى الأفضل وأوضاعنا إلى الأحسن. المشكلات في ظاهرها خوف ورهبة وقلق وتوتر ولكن كل هذا ينقلب إلى اطمئنان وشجاعة وتصد واستعداد إذا ما أحسنا التعامل معها وتريثنا للإمساك بالفرص والنعم التي جاءت بها, وكلما استطاعت هذه المشكلات أن ترتفع بمستوى التحدي في داخلنا ازداد نصيبنا من نعمها.
ثقافة النجاح لا تؤمن بوجود مشكلة من غير نعمة تختزن في داخلها أو فرصة تتحرك في دائرتها. وفي العموم هناك نعم عديدة وفرص متنوعة تصطحبها المشكلات في قدومها على الفرد أو المجتمع. ولا يمكن أن نحصر كل هذه النعم والفرص لأن هذا يتطلب منا أن نحصر كل المشكلات, وهذا غير ممكن لأن المشكلات في الحقيقة ممتدة مع الحياة في طولها وعرضها. ولكن من بين هذه النعم هناك أمهات نعم لا تخلو مشكلة منها ولا توجد مشكلة مهما كان نوعها أو شكلها إلا وتراها وهي تتوارى خلفها. فمن بين هذه النعم نذكر خمسا منها بإيجاز:
1- التغيير: إن التغيير من ضرورات الحياة فلا تستقيم الحياة ولا تتطور من غير أن يمارس الإنسان التغيير في حياته. والتغيير في العادة أمر غير محبب للنفس لأن فيه خروجا عن المعلوم والمألوف والمتعارف عليه إلى الجديد والمجهول, وبالتالي فهناك مقاومة نفسية فردية وجماعية في وجه التغيير. فوجود المشكلات يفرض على الإنسان التغيير وحدوث التغيير في حد ذاته هو على الأغلب في مصلحة الإنسان, فالمشكلات في حقيقتها فرص للتغيير ويبقى على الإنسان وحسن إدارته وتوظيفه هذه المشكلات من أن يجعل هذا التغيير إيجابيا يرتقي به إلى الأفضل أو سلبيا ينحدر به إلى الأسوأ. المشكلات تفتح باب التغيير الذي قد لا يقدم عليه الإنسان من تلقاء نفسه أو طواعية فتتدخل سنن تطور الحياة لتتحدى واقع الإنسان الساكن والجامد بمشكلات تدفع به إلى الحركة والتغيير وتبقى وجهة هذا التغيير في يد الإنسان إما خيرا أو شرا, وإما سعادة أو شقاء.
2- التنبه للأزمات: إن المشكلات في معظمها أعراض لأزمة أما هي واقعة وموجودة فعلا في الواقع وإن لم نرها أو أنها أزمة في طور الحدوث ولم تكشف عن نفسها بعد. والمطلوب أن يجنب الإنسان والمجتمع نفسه الوقوع في الأزمات, لأن الأزمة سلسلة من المشكلات التي التحمت مع بعضها وصار من الصعب اختراقها, ما يفرض على الإنسان والمجتمع أن يعيش ظروفا استثنائية وقاسية من الصعب التغلب عليها وتجاوز آثارها السلبية. تجنب الأزمة أمر مطلوب ومواجهتها في بدايتها خير من الوقوع فيها وتحولت إلى ثقب أسود لا يمكن الانفلات منها وهذا ما يمنحه لنا وجود المشكلات. الأخذ بالمشكلات وتتبعها هو الذي يدلنا على مواقع الأزمات وهي في بداياتها وعندها يكون التغلب عليها أسهل وأقل تكلفة. وكلما كانت درجة التنبه عندنا عالية وكانت مجساتنا طويلة وممتدة ومغروسة في واقعنا تصل إلى المشكلات وإن هي لم تظهر على سطح الواقع فإننا بهذا نمنع من أن تتحول هذه المشكلات إلى أزمة يطول بقاؤها وتشتد المعاناة معها. بفضل المشكلات نقي أنفسنا الأزمات لأنها هي من يرشدنا إلى مواقع الخلل قبل أن يستفحل هذا الخلل ويتحول إلى أزمة. الثقافة التي تهرب بالإنسان من مشكلاته هي من يتحمل مسؤولية الوقوع به في الأزمات, فالشعور بالعيب والنقص والرغبة في الستر على المشكلات وعدم مواجهتها كلها قيم ثقافية تقعد بالإنسان عن مواجهة مشكلاته, وبالتالي تفوت عليه الفرصة للخروج إلى واقع أفضل وظروف أحسن.
3- اكتشاف القدرات: هناك عند الإنسان قدرات بدنية وعقلية ونفسية وروحية وكل هذه القدرات تقوى بالاستخدام وتضعف بالإهمال والترك, وكلما ضعفت هذه القدرات انكمش الإنسان على نفسه وضاقت دائرة فعله. المشكلات خيرها أنها تتحدى الإنسان وتستثير قواه الروحية والنفسية والعقلية وحتى البدنية وبفضلها وببركة مواجهتها يصبح الإنسان أقوى وأصلب وأبعد أثرا. أما الإنسان أو المجتمع الذي يهرب من مشكلاته ولا يجد نفعا في مواجهتها هو أقرب إلى الموت منه إلى الحياة لأنه بتراجع هذه القوى التي آثر عدم استخدامها بالمواجهة صارت أضعف من أن تقوم به حتى وهو لا يعيش مشكلة, بل قد يصير هو نفسه مشكلة للآخرين, وعندها يجتهد هذا الآخر إما لإزاحته عن الطريق وإما يجد في ضعفه فرصة للسيطرة عليه وتوظيفه بما يعود عليه بالمصلحة. ولو نظرنا في أحوال العرب والمسلمين في الوقت الحاضر لوجدناها أقرب إلى مثل هذا الحال بسبب الهروب من الواقع وعدم مواجهة المشكلات.
4 ـ تقوية الذات: هناك مشكلات وهناك أمراض نفسية واجتماعية والتعامل بإيجابية مع المشكلات يزيد من قوة الفرد والمجتمع ويقلل من فرص الوقوع في أتون الأمراض النفسية والاجتماعية. المشكلات تستثير جهاز المناعة وتجعله يقظا لصد أي اختراق يؤدي إلى المرض. كثرة المشكلات والانشغال بالتعامل معها والتصدي لها دليل حيوية ونشاط, وأما تراكم المشكلات من دون مقاربتها أو بذل الجهد للتصدي لها يستدرج ذلك الفرد والمجتمع بشكل تدريجي للوقوع في دائرة المرض, وكثرة الأمراض الاجتماعية قد تقعد بالمجتمع وتفقده القدرة على النهوض بنفسه حاضرا ومستقبلا.
5 ـ شكر النعم: من النعم التي تأتي بها المشكلات هي تذكير الإنسان والمجتمع بما عنده من نعم قد ألفها ولم يحس بقيمتها ولم يخطر على باله أنه في يوم ما سيفقدها, فبفضل بعض المشكلات نتذكر نعما معينة مهددة بالزوال فنسارع إلى التمسك بها ونجتهد لمعالجة هذه المشكلات لنعزز فرص بقاء واستمرار هذه النعم عندنا. فتذكر النعم يجعل الإنسان أكثر استعدادا لشكر الله عليها, وهذا الشكر يعود على النفس بالرضا والهدوء والسكينة, والأهم شعور أكثر بالسعادة. كثير من المشكلات هي فعلا أبواب للسعادة وليس للشقاء.
ومرة أخرى نقول إنه لن ينجح الإنسان أو المجتمع في الوصول إلى مثل هذه النعم والتنعم بالفرص التي ينفتح عليها الواقع بفضل هذه المشكلات إلا بثقافة تعيش الانفتاح على واقعها بما يحويه من مشكلات وما يختزنه من صعوبات وعوائق, فثقافة الانفتاح هي التي تجعل المجتمع قادرا على أن يتعامل بشكل إيجابي مع مشكلاته, ومثل هذه الإيجابية هي التي تفتح خزائن النعم المستترة في المشكلات.
