الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الأربعاء, 10 يونيو 2026 | 24 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

نعم كان عرسا لمهنة المحاسبة والمراجعة .. ولكن!

محمد آل عباس
الجمعة 3 أبريل 2009 4:52

أهنئ الهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين على نجاح فعاليات مؤتمرها الدولي الثاني. لقد كان احتفالية حقيقية بالمهنة والمهنيين والمنتمين لهم من أكاديميين. مهنة المحاسبة والمراجعة مهنة جاذبة هذا الجذب يجعل عملية تطوير وتأهيل المتخصصين عملية شاقة جدا ومكلفة. تعمل الهيئة جاهدة لكنها وحيدة في الميدان على الرغم من أنها تعمل تحت مظلة وزارة التجارة, تلك المظلة التي أثقل حملها على الهيئة بينما لم تقدم الوزارة الكثير مما يشفع لها لتستقل بالمهنة وتسيطر على تنظيمها. نعم كان عرسا اختفت فيه هيئة السوق المالية وديوان المراقبة العامة ووزارة المالية, وهذه الجهات الثلاث التي تمتلك صلاحيات واسعة وتأثيرا لا محدود على المهنة بل وتقف حجر عثرة (في بعض الأحيان) أمام تطورها وأمام احتياجاتها المالية تغيب عن محافلها بل وعن أكثرها أهمية.

من فضول القول الحديث عن المحاسبة والمراجعة وأهميتهما للاقتصاد والأسواق المالية, وهذه المهنة اليوم تتعرض لتغيرات مهمة وخطيرة, وهناك عاصفة حول الأدوار الواجبة لكل مهنة محلية وإقليمية ودولية, والجميع يريد أن يفرض وصاية, وهناك صراع سياسي حول تلك القضية. الهيئة تقف وحيدة في ميدان عاصف مكبلة بقيود الوزارات وضعف التمويل, حتى أنني أعجب كيف استطاعت الهيئة أن تنجو من صعوبات تمويل بهذا المؤتمر, ولولا كلمة سبقت من ربك وبصيص أمل يسمى الرعاية لما استطاعت الهيئة – في اعتقادي – أن تجمع كل هذا الحشد وتنسق لمثل هذا الحدث.

المملكة ستلعب دورا في الاقتصاد العالمي من خلال عضوية G20 وهو أمر نفخر به ونعتز, ولكن نريد أن نكون فاعلين وليس منفذين فقط. لدينا قيم حقيقية ورصيد من تجربة نريد أن يشارك بها الآخرون، نستفيد منهم ونفيد. وعندما يتوجب علينا أن نلتزم بسياسة اقتصادية معينة فليكن ذلك بعد تفاوض حقيقي. وإذا كان هذا هو الدور المؤمل للمملكة وإذا كانت المعايير المحاسبية الدولية ستغمرنا والعالم فلماذا تترك الهيئة وحيدة تحاور بلا دعم وبرنامج يناسب المكانة المتطورة للمملكة؟ لماذا تظل الهيئة تحت مظلة وزارة التجارة لمجرد أن على المهنيين التسجيل في الوزارة ودفع الرسوم، بينما على الهيئة أن تطور المهنة من ميزانيتها الضعيفة والدعم النادر وتقف الوزارة موقف الناقد؟

وإذ ألوم على الوزارات الغياب تنظيميا وحواريا عن عرس مهنة المحاسبة والمراجعة, فالعتب أشد على هيئة السوق المالية. عندما أقول "غابت" فليس الحضور الشخصي لبعض أعضاء الهيئة يعد حضورا للهيئة, بل غياب الدعم الحقيقي وحلقات النقاش لقضايا جوهرية تمس الإفصاح والمهنة غياب التفاعل المقصود وليس المستحث. لماذا لم تطلب هيئة السوق مشاركة حقيقية مع هيئة المحاسبين. إن الرغبة في عدم التورط في دعم المؤتمرات (العذر الذي تردده الهيئة دائما) لا يشفع لها في هذا المحفل, فهناك أبرز اللاعبين في السوق, هناك تجمع المحللين, وهناك المشرعون الفعليون المؤثرون في قضايا الإفصاح, هناك صناع المعلومة المالية (المهنيون الممارسون ومعدو القوائم المالية على الحقيقية) لماذا لم يكن هناك حلقة نقاش ولو على هامش المؤتمر. أعتقد أنها كانت فرصة حقيقية نادرة للهيئة وخاصة أن الحضور قارب 1500 شخص (رجالا ونساء, كما علمت). إن ميزة هذه المؤتمر أنه لم يكن أكاديميا في الأساس وإن حضره الأكاديميون بل هو مهني يناقش قضايا مهنية بحتة بعيدا عن تعقيدات الطرح الأكاديمي المنهجي.

إن مهنة المحاسبة والمراجعة تحتاج اليوم إلى تضافر الجهود لتطويرها، كما تحتاج إلى دعم حقيقي. لقد رأينا كيف أن معيارا واحدا كان كفيلا بإحداث أزمة – وإن كان هناك من يرى تبرئته من هذه التهمة وأنا أحدهم – فكيف بالمهنة كاملة إذا فشلت في أداء مهمتها. لقد فزع المجتمع (وله ذلك) عندما ظهرت حمى الضنك والوادي المتصدع, إنفلونزا الطيور، بينما لا يهتم بمهنة ربما لا يقل تداعيها خطورة، وقد تجر الاقتصاد معها إلى مستنقع خطير. وإذا كانت المهنة تعترف بالفضل لأولئك الذين صنعوا تاريخها قبل أكثر من 30 عاما، فإنها اليوم في حاجة إلى أمثالهم لتخطي أزمتها. وليس هناك نقص في رجالات الهيئة الحاليين وكفاءتهم، ولدى الهيئة خطة استراتيجية واضحة المعالم, ولكنها في حاجة إلى من يؤمن بها اليوم من الجهات ذات العلاقة، كما آمن بها من قبلهم.

في عرس الهيئة تم تكريم يوسف المبارك الأمين السابق للهيئة. كان هناك الكثير ممن يستحق التكريم بلا أدنى شك, لكن يوسف المبارك كان أكثرهم استحقاقا. لمن لا يعرف الأستاذ يوسف فعليه أن يقرأ تاريخ الهيئة وحاضرها على حد سواء. أتذكر عندما كنت أدرس الماجستير في جامعة الملك سعود طلب مني الدكتور عبد الرحمن الحميد أن أعد عرضا لمعيار محاسبي ذهبت لأستعين بمركز معلومات الهيئة. أتذكر عندما دخلت على الأستاذ يوسف لأسألة أين أجد المعيار فاجأني بتركه مكتبه آخذا بيدي إلى المركز وباحثا معي عن المعيار بحكم خبرته, وساعدني بروح الباحث في تدوين ملاحظاتي (كل هذا ولا يعرف عني سوى شخص يريد أن يستعين بالهيئة).

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية