الثلاثاء, 11 أغسطس 2026|26 صَفَر 1448
الاقتصادية

يقول النبي صلى الله عليه و سلم فيما صح عنه: "لم يبق من النبوة إلا المبشرات، الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له ", ونظرا لأهمية هذا الحلم الذي رأيته، فلم أطلب تأويله من مفسر واحد، فآثرت نشره على الملأ كما فعل "الملك" في قصة نبي الله يوسف حين طلب أمر رؤياه المشورة، فأعلنها على الملأ. وحيث أن تعبير الرؤيا يرتبط بحال الرائي فإني أقدم للقارئ وصفا للساعات والدقائق التي سبقت الحلم.

كنت أحد الذين تشرفوا بحضور لقاء غداء عمل خاص مع سعادة الأستاذ عبد الله بن جمعة الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو سابقا قامت على تنظيمية منظمة القيادات العربية الشابة فرع السعودية.

بالفعل كنت محظوظا بحضور هذا اللقاء الخاص المميز, ولمن أعد اللقاء وشرفني بالدعوة كل الشكر والتقدير. ليس غرض المقال تغطية تفاصيل اللقاء لسببين كون اللقاء خاصا من جهة، ولكون إدارة اللقاء هي المنوط بها لو رغبت أو أذنت نشر ما ترى مناسبة نشره من مجريات الحوار الذي أعجز عن وصف نجاحه من كل الجوانب وعلى رأسها ما أتحف به "أبومنذر" الحضور من قلائد الفرائد لديه وعصارة تجربتيه القيادية والحياتية المميزتين التي جمع فيهما بين روعة المحتوى، وقوة الأفكار وتميزها من جهة وبين سلاسة الأسلوب وعذوبة طريقة تقديم الأفكار والقصص و التجارب من جهة أخرى.

لقد فاتني قدر لا بأس به من عرض الأستاذ عبد الله, ليس زهدا مني في التركيز أثناء الطرح ولكن سرقني من التركيز "حلم يقظة" لم أتمكن من دفعه. رأيت فيما يرى المستيقظ – لأنه حلم يقظة لا حلم منام – كأني في معرض الكتاب الدولي في ألمانيا وأنا أرى تدافع الزائرين لشراء ما تبقى من نسخ معدودة على الأصابع من الطبعة الرابعة من ترجمة كتاب "تجربة سعودية إدارية" بقلم الأستاذ عبد الله جمعة التي ترجمت للألمانية بعد ترجمتها للإنجليزية والفرنسية حيث سبق المعرض – والسياق للحلم بطبيعة الحال –حملة إعلانية متميزة من قبل دار النشر العالمية التي اشترت حقوق نشر وترجمة الكتاب بمبلغ – اللهم لا حسد – من فئة الأصفار الستة – من اليمين طبعا – بالدولار الأمريكي ومن فئة الأصفار السبعة بالريال السعودي.

تستهويني كثيرا قراءة السير الذاتية والمذكرات الشخصية للقياديين سواء كانوا قادة في مجال السياسة أو التربية أو إدارة الأعمال وقدر لي الاطلاع على قدر لا بأس به منها.

لقد كان ولا يزال يحز في نفسي ومن خلال اطلاعي ومتابعتي لهذا النوع من المؤلفات افتقار المكتبات العربية والسعودية خاصة لهذا النوع من الكتب - قياسا على مثيلاتها في الأمم الأخرى على الأقل - فبالنسبة للتجربة السعودية تحديدا اطلعت على "تجربة في الإدارة" لمعالي الدكتور غازي القصيبي و "تجربتي مع الحياة " لمعالي الأستاذ الدكتور محمد الرشيد و كتاب "الوليد" المؤلف عن السيرة الذاتية لصاحب السمو الملكي الأمير الوليد بن طلال. لقد سعدت بقراءة الكتب الثلاثة أكثر من قراءة أي سيرة ذاتية أخرى لأنها تتناول موضوعات تمسني وتمس مجتمعي الذي أعيش فيه و مطلوب مني أن أتأثر وأؤثر فيه ومأمور شرعا بتقديم ما أستطيع لخدمته ورفعة شأنه بخلاف ما يرد من تفاصيل كثيرة ترد في ثنايا استعراض السير الذاتية والمذكرات الشخصية للقادة العالميين.

من خلال مناقشة عدد لا بأس به من القيادات السعودية في مختلف المجالات استخلصت سببين رئيسين يمنعانهم من الإقدام على مثل هذا المشروع أعني توثيق مذكراتهم الشخصية وكتابة سيرهم الذاتية, الأول التخوف والتحسس من أن يرد في ثنايا المذكرات ما يكون فيه إحراج أو انتقاص من قريب أو صديق أو منافس, والسبب الثاني أن ينظر إلى كاتب السيرة بنظرة المادح لنفسه أمام الملأ.

هناك سبب ثالث نبه إليه سعادة الأستاذ عبد الله بن جمعة وهو أن أكثر ما تطرحه المكتبات من مذكرات القادة لدى الأمم الأخرى تكون مسودات أجزاء كثيرة منها كتبت وهم على رأس العمل وليس اعتمادا على الذاكرة كما هو الحال بالنسبة للقادة المحليين حيث إن ثقافة كتابة المذكرات أثناء العمل ليست واسعة الانتشار على الصعيد السعودي.

كانت المحطة الأخيرة في حلم اليقظة استعراض مكوكي لتاريخ شركة أرامكو العملاقة تلك الشركة التي ارتبط تاريخها ليس فقط بالاقتصاد السعودي والعالمي بل إنها الشركة التي كان لتأسيسها وتطورها تأثير رئيس على تطور الحياة المدنية والعملية والثقافية ليس في المنطقة الشرقية فحسب بل في جميع مناطق المملكة. كما أن الحقبة التي أدار فيها الأستاذ عبد الله بن جمعة الشركة مثلت مرحلة مهمة وأساسية في تاريخ الشركة وبالتالي في تاريخ الاقتصاد السعودي وما يتبعه من تأثيرات في سائر المجالات, الأمر الذي يجعل توثيق تجربة الأستاذ عبد الله بن جمعة أمرا بالغ الأهمية وعظيم الفائدة من جوانب مختلفة. الجانب الأول توثيق تجربته الإدارية والحياتية التي أهلته لقيادة شركة بهذا الحجم و الثقل ابتداء؟ والجانب الثاني في توثيق الدروس والتجارب المستفادة من المنجزات (أو الإخفاقات) خلال إدارته الشركة في تلك المرحلة المهمة؟

أفقت من حلم اليقظة وطرحت طلبي على أبي منذر بأن يأخذ زمام مبادرة بكتابة سيرة ذاتية يهديها لجيل القادة الجديد و ليكون قدوة حسنة لغيره من رجالات وقادة المجتمع الناجحين – و ما أكثرهم بحمد الله – في توثيق تجاربهم ومذكراتهم, فهل يفعلها سعادة الأستاذ عبد الله بن جمعة ؟ وهل يتحقق حلم اليقظة ولو جزئيا؟

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية