د. عبد الله العثمان.. هل يستحق؟

|
.. الدكتور عبد الله العثمان مدير جامعة الملك سعود، صار اسماً لا تخلو منه جرائدُ الصباح، وكلام الناس في الأمسيات.. ولكن السؤالُ فعلا: هل عبد الله العثمان هو المقصودُ في الشهرة، أم الجامعة التي يديرها؟ هل يعمل العثمانُ لنفسه وبالتالي انعكس على عمله؟ أم يعملُ لعملِهِ ثم انعكس ذلك على شخصِهِ؟ يتواردُ الناسُ هذا النقاشَ، ولكن في النهايةِ لا يهم إلا النتائج .. بل إني أمضي قائلاً، إن الرجلَ هو عملـُهُ، وبالتالي أي شيءٍ يقوم به فإنما ينعكس على سمعةِ عمله وسمعتِهِ معاً، إنه نوعٌ من الربط العِضوي التوأمي .. هذا يصبُّ في ذاك، وذاك ينبعُ من هذا.. ولكن لنأخذ العثمانَ كأنموذجٍ للموظف الكبير في المنصبِ الكبير والمؤثر، ونقيس ونستخرج الأنماطَ والفوائد. فالدكتورُ العثمان نال جائزة الشرق الأوسط السادسة للشخصيات التنفيذية لعام 2009 أخيرا في دبي، أي من جهةٍ لا بد بطبيعتها وآليتها أن تكون محايدة، فهي ليست جائزة سعودية، ولا هي جائزة في الجسدِ الأكاديمي البحت، هي جائزة في إمارة دبي في مجال الإبداع الإداري العام، وهنا تقطعُ جهيزة قولَ كل خطيب .. ليُتـَأَكَّد أن إنجازات العثمان هي ألمعُ إنجازاتِ الأكاديمية هذا العام. وسؤال.. هل عمِدَ العثمانُ إلى عبقريةٍ حسية في استخدام الإعلام (أو أكثر صراحة في استغلاله) لتلميع الجامعةِ من خلاله، أو تلميع اسمه من خلال الجامعة؟ أيضا سؤالٌ يدور في الأوساط، وتتقاذفه رسائل وصلتني لما اخترته شخصية عام 2008 في أحد مقالات "مقتطفات الجمعة" بهذه الجريدة، وهنا "إشارةٌ" تنقصها الأدلة التي لن يجدها أحد، فمن يستطيع التفتيش في النوايا وفي النفوس، وإن حاولوا فإنه الاستغراق بالمستحيل عينه. ولكن نعم، فالرجلُ أدار الإعلامَ بحسٍّ وإحساس، حسّ أن الإعلامَ هو المنصة التي ستبزغ منها الأعمالُ إلى العالم المفتوح، فمهما شيّدتَ من أسمى صروح الإنجازاتِ وأروعها فستبقى محبوسة في قفص الظلام إن لم ترفعها منصَّاتُ الإعلام، وتوجِّهُ إليها بؤَرُ كشـّافاتِها.. وهنا التعاملُ الحسي مع الإعلام، فأنا لا أميلُ لمن يتظاهر بأنّ الإعلامَ لا يهمه، أو أنه يعملُ بصمتٍ، لا يا أخي، في الشأن العام لا بد أن يطـَّلِعَ الرأيُ العام على ما تقوم به، وهو أيضاً من نوع الرقابة الكبرى من الضمير المجتمعي الكلي .. فالخروجُ للنور مطلبٌ أساس، ليعرف الناس، وليعرف صاحبُ العمل أن الناسَ يعرفون. وهنا أبدى العثمانُ براعةً مايستروية في توزيع المقامات المقطعية في سيمفونيةٍ ضخمةٍ أسمعَت الآذانَ وشنـَّفـَتها. كما قلنا أيضا بإحساس، وهنا عنصرا اللطافة الذوقية والنبوغ الذهني، فماذا ستقدِّمُ مادة للإعلام هو ما يُفصِحُ عن قوةِ ومضيِّ وحِدَّةِ هذين العنصرين، فكما دارتْ في وسائط الإعلام كالإعصار الاستوائي الضارب سمعة الجامعات بالقائمةِ السيئةِ الصيت، فإن أي خطأ أو إشاعة أو حقيقة سيحملها الإعصارُ لا يفرق بين ما يحمل في أحشائِه .. والصعوبةُ والفنُّ هما تسخير الإعصار أولاً ليكون كنسائم من أنفاس الربيع، ثم تعطيره بروائح إنجاز أو العزم على الإنجاز، وهنا تحتاج إما عبقرية موهبية تولد معك في التعامل مع الإعلام والرأي العام، وإما ستحتاج إلى عقولٍ عمليةٍ مهنيةٍ متفوّقة لتحقيق هدف الإنجاز، حتى قبل حصول الإنجاز نفسه.. والعثمانُ أنجزَ المهمةَ الإعلامية بأسْتـَذةٍ، ونال منها كل ما يريد .. ويزيد، أو أن الإعلامَ لأنه تقبـّله بطرقه وتعامله الاحترافي فأعطاه، وأغدقَ عليه. قلنا إنه أدارَ سيمفونيةً شنـّفتْ الآذان.. هل هذا يكفي؟ نعم، لو كانت سيمفونية موسيقية هدفها الأولُ والأخيرُ هو تشنيف الآذان فقد تحقـّقَ المُرادُ، ولكن في سياسةٍ إعلاميةٍ هدفها رفع اسم الجامعة فلا يعني شيئا أن تتمايل الرؤوسَ من فرط الطرب، بل تكون النتائجُ هنا، على العكس، سلبية .. إنها شغل الرؤوس عن الهدف الرئيس، والهدفُ الرئيس لأي مدرسةٍ وكليةٍ ومعهدٍ وجامعةٍ، هو تخريج عقل مستوعب قادر على التعامل مع أدوات عصره، ويدير شأن حياته بأرفع ما يمكن من حصيلة العلم المتخصص الذي يقود للتمهن والاحتراف والتطور والتعامل مع معطيات الظرفِ والموضوع .. فهل حققت جامعة الملك سعود ذلك؟ هل حقق الدكتورُ العثمان القفزة النوعية العلمية التي ستجعل سمعة الجامعة برّاقة في الوسط الجامعي الدولي، وليس فقط في مانشيتات صحفنا؟ لا نعلم على وجه التحديد، ولكنه وضَع الكراسي، واستحصلَ الأموال، وجنـّد كل قوى القرارِ وصنـّاعه إلى القمة، ولم يبقَ عليه إلا الانطلاق.. بعد أن مهّد الطريق. وجائزةُ دبي .. تعطينا مفاتيحَ التفاؤل، ودواعي البرهان.
إنشرها