لم تكن قمة الرياض العربية قمة مفاجئة، كما أنها لم تكن قمة عادية أملتها مشاعر الأخوة وألحت عليها الطبيعة الخيرة لخادم الحرمين الشريفين. والحق أن إعادة اللحمة بين أطراف المثلث العربي : السعودية وسورية ومصر الذي قاد العمل العربي المشترك لمدة طويلة ساندت فيها المملكة العربية السعودية دول الطوق وهي سورية ومصر والأردن لإزالة آثار عدوان 1967 مروراً بحرب التحرير الكبرى في أكتوبر 1973. وقد دخلت المنطقة العربية في مرحلة الفتنة الكبرى التي ألمت باثنتين من أكبر الدول العربية وهما مصر والعراق، حيث كان للغزو العراقي للكويت أفدح الأثر في تمزيق الصف العربي وفي الوقت نفسه توثيق جبهة العلاقات المصرية ـ السعودية. ثم عرف العالم العربي محاولة جديدة ضمت مصر والسعودية وسورية عام 1996 حين اجتمع في الإسكندرية الملك فهد وحافظ الأسد – رحمه الله - ومبارك عندما تولى نتانياهو السلطة في إسرائيل. غير أن ظروفا جدت ومياها جرت في البحار العربية ووردت على السماوات العربية سحب داكنة، فرقت بين هذه العواصم الثلاثة وأثرت تأثيراً كبيراً في العمل العربي المشترك بسبب هذه السحابة التي أظلت السماوات العربية وأدت إلى مقاطعة رسمية لقمة دمشق، في العام الماضي ثم تفاعلت ووصلت إلى ما يمكن أن يسمى حرب القمم العربية خلال أحداث غزة، مثلما أدت إلى خلاف حاد على مستقبل المبادرة العربية. ولا نزاع في أن الروح الشفافة التي أشاعها خادم الحرمين في قمة الكويت وجهوده خلال المؤتمر لتحقيق اللقاءات بين كل الأطراف كان خطوة أساسية سمحت بسيل من الاتصالات الدبلوماسية التي انتهت إلى قمة الرياض. معنى ذلك أن قمة الرياض لم تكن مفاجئة في ضوء هذه التمهيدات والتحركات ولكنها كانت مفاجئة بنتائجها الحقيقية. ويمكن القول إن عددا من العوامل الخطيرة قد دفعت كل الأطراف إلى تأسيس بداية مهمة لعمل عربي مشترك أبقى أثراً من مجرد المصالحة. أما العامل الأول فهو الاتجاه في إسرائيل إلى تشكيل حكومة يمينية متطرفة ترفض حتى العملية السياسية الوهمية التي ملأت المسرح السياسي بنص هزيل وممثلين متوسطي الكفاءة، ومع ذلك ظل العالم العربي يلح وسط هذا العرض على مبادرته المتوازنة والتي حذر الملك عبد الله في قمة الكويت من أنها لن تبقى إلى الأبد مطروحة أمام الاستخفاف الإسرائيلي بقضية السلام وإقدام إسرائيل بكل البربرية على إحراق غزة. أما العامل الثاني فهو أن واشنطن تريد أن تحدد سياستها في المنطقة آخذه في الاعتبار الموقف العربي، ولذلك فإن تحديد الموقف العربي من خلال هذا المثلث خاصة مع سعى واشنطن صوب سورية بات أمراً ملحاً. والسؤال: هل نتائج قمة الرياض يمكن أن تصمد أمام اختلاف هذه الدول الثلاث في مواقفها؟ وهل اختلاف المواقف لابد أن يرتب الخلاف والشقاق؟ أم أن القمة قد وفرت مناخا مناسباً لكي يفهم كل الآخر وأن يتجاوزوا خلافاتهم إلى ما يواجههم من تحديات؟ المحقق أن نتائج قمة الرياض سوف تنعكس على الموقف العربي العام من السودان وأزمته مع المحكمة الجنائية الدولية، وعلى أعمال قمة الدوحة في الأسبوع الأخير من مارس كما سوف تفيد في تكوين موقف عربي قوي تجاه الحوار الفلسطيني والسلام مع إسرائيل.
