يعتمد نظام المناقصات الحكومية في الأغلب الأعمّ في ترسية المشاريع على صاحب العطاء الأقل، حيث تعكف لجان فتح المظاريف في اعتماداتها على هذه النقطة بالذات، مما شكل مدخلا سهلا لأشباه المقاولين للتصدي لمشاريع فوق قدراتهم الفنية، ومهارة اليد العاملة التي يعتمدون عليها في التنفيذ، وقد أفضت هذه الثغرة إلى مشكلتين إحداهما أسوأ من الأخرى، فإمّا أن يتمّ التنفيذ بشكل رديء، وأقل من مستوى المواصفات المطلوبة، وإما أن يتعثر المشروع كليّة، ويدخل في نفق طويل من الأخذ والرد.
هناك مشاريع طرق رئيسة وزراعية، ما إن يفرغ منها المقاول، وقبل أن تدخل مرحلة الخدمة حتى تحتاج إلى ترميم، وهناك مشاريع مبان مدرسية لم يمض على إنشائها أكثر من عام واحد تفشل في أن تصمد مع أول قطرة مطر، وهناك مساجد حديثة يتفسخ طلاؤها، ويتساقط رخامها خلال الأشهر الأولى من تسلمها!
ولو تتبعنا خيوط هذه المشكلة التي باتت تمثل قاسما مشتركا في معظم المشاريع لوجدنا أن الأمر يتصل بقضية العطاء الأقل، وهو ما يُمكن أن يُستشف بوضوح من خلال تبرؤ الجهات المعنية من مسؤوليتها تجاه ذلك بإحالة المسؤولية للجهة المنفذة، وضعف إمكاناتها.
وبما أن نظام المناقصات والترسية على صاحب العطاء الأقل قد جاء للبحث عن أنسب الأسعار حماية للمال العام، إلا أن الاكتفاء بالعطاء الأقل دون ضوابط دقيقة تسبب في زيادة الإنفاق على المشاريع، والصيانة، بمعنى أنه قد جاء بنتيجة عكسية تماما، في حين أنه لو تمّ تنفيذه وفق الأصول الفنية لوفر كثيرا من الأموال التي تذهب للترميم والصيانة في وقت مبكر.
المسؤولون عن المناقصات في الجهات الحكومية يعرفون مستوى بعض المقاولين، والمستوى المتدني لكفاءة عمالتهم، ومع هذا فهم لا يستطيعون إقصاءهم عن تلك المشاريع طالما أنهم تقدموا بالعطاء الأقل، ويتذرعون بأنهم يتعاملون مع الورق، وبالتالي فمتى ما كانت مسوغاتهم مكتملة فلن يكون بوسع أحد أن يقف في وجوههم، لكن التبعة في النهاية تكون على حساب المشروع نفسه، وهو ما يحدث بوضوح في بعض عمليات الرصف داخل المدن، التي تتحول خلال أيام إلى ما يُشبه السجادة التي لم تُفرش بإحكام، إما نتيجة سوء المادة الخام، وإما سوء عملية الرصف نفسها.
أيضا هناك جانب آخر في موضوع المناقصات، وهو ما يتصل بمقاولي الباطن، وهو موضوع ملتبس، تمت شرعنته حيث أصبح يطول أساس المشروع، في حين أن المتعارف عليه أن يتم إسناد بعض الأعمال التخصصية إلى مقاول بالباطن حسب تخصصه، وتحت علم الجهة المعنية بالمشروع، وهذا ما أدّى إلى دخول بعض المقاولين كوسطاء فقط، وهو ما يجب إعادة النظر فيه، لأن مثل هذه الأمور ستنعكس سلبا على طريقة التنفيذ، وعلى الجودة النوعية التي يُفترض أن تكون هي المعيار لأيّ مناقصة صغيرة كانت أو كبيرة. لذلك ولكي نحمي مشاريعنا من التكسب على حسابها، وللتخلص من رفع تكلفة صيانتها.. لا بد من إعادة النظر في مسألة العطاء الأقل، ومسألة مقاولي الباطن في غير العقود الفنية المتخصصة، حيث ينحاز نظام المناقصات إلى معيار الجودة، إلى جانب نظام الضمان بعد التشغيل لمدة مجزية، وبهذه الطريقة فقط نحمي المال العام، وليس بالعطاء الأقل الذي وفر لنا مشاريع ما إن ينتهي تسليم مستخلصاتها حتى تبدأ مناقصات ترميمها!!
