الأربعاء, 12 أغسطس 2026|27 صَفَر 1448
الاقتصادية

لم تكن العلاقات السعودية – الإيرانية بشكل عام إلا في الأطر الحريصة على عدم تعكير صفو التفاهم والوئام، رغم كل المطبات والمآزق السياسية التي اعترت علاقة إيران بدول المنطقة.

وقد مرت مسارات الدبلوماسية السعودية بالنسبة لإيران بمسعى الوقوف إلى جانب الحكمة في معالجة استحقاقات للعرب على إيران، سواء في عودة الجزر الإماراتية الثلاث إلى دولة الإمارات أو في لجم التصريحات الغير المسؤولة بشأن زعم حق إيران بدولة البحرين أو في النفوذ الإيراني، من باب الدعم والمساندة، لمكونات داخل تركيبات أوطان عربية مثلما هو حادث في دعم "حزب الله" في لبنان أو "حماس" في فلسطين ما أسهم في إضفاء تعقيدات ومخاطر أشد على المنطقة من جراء تداخل الأهداف والرؤى والمصالح العربية – الإيرانية.

ولعب الملف الإيراني النووي دوره الأشد تعقيدا لتداخل الأطراف الدولية مع الإقليمية الرافضة أصلا لوجود قوة نووية في المنطقة تهدد أمنه، والباحث عن معادلة سلمية تجنب المنطقة مغبة التصعيد وجرها إلى صدام عسكري لم تزل تعاني ويلاته، إن في العراق، وإن في لبنان، وإن في غزة.

في كل هذا كانت سياسة خادم الحرمين نزاعة إلى إبقاء إيران إلى الجانب المسالم وليس خالق المشكلات.. وكانت الرسائل عديدة عبر العلاقات الدبلوماسية وعبر الزيارات المتبادلة بين عدد من المسؤولين السعوديين والإيرانيين، يأتي في مقدمتها زيارة الرئيس الأسبق رفسنجاني وبعدها زيارة الرئيس الحالي أحمدي نجاد ومشاركته في مؤتمر الرياض.. ولعل آخرها الزيارة، التي قام بها أخيراً وزير الخارجية الإيرانية منوشهر متكي حاملا رسالة من الرئيس الإيراني لخادم الحرمين الملك عبد الله تتعلق بالعلاقات بين البلدين.

كل تلك المحطات وغيرها تؤكد حرص القيادة السعودية على علاقة وطيدة مع الجمهورية الإيرانية انطلاقا من الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، تحفظ للعلاقات العربية ـ الإيرانية سلامة المسار ووضوح الهدف وبما يعزز أمن واستقرار وتنمية المنطقة برمتها ويجنبها مغبة الانجراف إلى توترات من أي نوع تحول دون تطلع شعوبها للعيش الكريم.

من أجل ذلك كانت القيادة السعودية وما زالت حريصة على إشاعة روح التفاهم والتعاون بين العرب وإيران وفي ضوء هذا نقرأ ما جاء على لسان وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل، في مباحثاته الصريحة مع وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي، حيث وضع النقاط على الحروف، إذ قال موجها كلماته للوزير الإيراني: "إنه على الرغم من أننا نقدر التأييد الإيراني للقضايا العربية، إلا أننا نرى أن هذا التأييد يجب أن يكون عبر بوابة الشرعية العربية ومنسجما مع أهدافها ومواقفها ويعبر عن نصرته لها وليس بديلا عنها"، وقال: "نرى في الوقت نفسه، أن وحدة الصف العربي والفلسطينيين من شأنها دعم تحقيق هذه الأهداف، ونثق أن إيران تشاركنا فيها، وأنه لا بد أن يبذل كلانا الجهد اللازم في هذه المرحلة لضمان استقرار العلاقات وثباتها على أسس التعاون المثمر والاحترام المتبادل".

المطلوب إذاً.. ودون مواربة: التأييد عبر بوابة الشرعية العربية .. ذلك وحده التعبير المكثف عن نصرة قضايا العرب وتأييدها خصوصا الوقوف إلى جانب وحدة الصف العربي الفلسطيني، وأن الأمر يتطلب بذل قصارى الجهد في هذه المرحلة لضمان استقرار العلاقة العربية ـ الإيرانية واستمرار الاحترام المتبادل والتعاون المشترك.

ذلكم هو الأفق الصحي الذي يمكن أن تتنفس فيه العلاقة العربية ـ الإيرانية هواء نقيا يمدها بأسباب العافية والحركة السليمة في جسمها السليم.. أما الدوران إلى أمام أو خلف البوابة الشرعية فلن يجلب لكل الأطراف سوى المتاعب، بدءا من تصاعد الشكوك وانتهاء بما لا تحمد عقباه.. وهكذا لا مجال لقراءة كلمات وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل إلا في كونها تضع في أولوياتها الصراحة والصدق والمباشرة فيما قالته وعنته منطوقا وإيحاء، ليس من باب البلاغة اللغوية أو الاستهلاك، وإنما، فقط من باب الإحساس العميق بالمسؤولية التاريخية من قبل رجل الدبلوماسية السعودية الذي شاء أن يكون موقف السعودية واضحا وصريحا ومعبرا عن رؤيتها ودورها كشقيقة كبرى لشقيقاتها العربية اللائي يشاركنها الهم والمصير، كما يشاركنها الرؤية والدور، كلمات قيلت في جو مصارحة بين وزيري بلدين صديقين، لا يراها أهل العقل سوى أنها فاتحة خير لكل ما يمليه العقل.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية