الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الأربعاء, 10 يونيو 2026 | 24 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

ملف المرور والأرقام المتصاعدة!

"الاقتصادية"
"الاقتصادية"
الخميس 19 مارس 2009 4:22

قضايا المرور لا تنفصل عن الاقتصاد، وبالتالي يجب أن تؤخذ وفق هذه الرؤية، لأن الخسائر التي تنجم عن حوادث السير من الأرواح والممتلكات إنما هي خسائر في حق الوطن، وهذا ما يستدعي نقل هذا الملف من طاولة شرطة السير إلى طاولة المجتمع برمته، في الحكومة وفي القطاع الخاص لمعالجته كقضية وطنية، تهمّ الجميع، وتعنيهم.

صحيح أن حوادث المرور هي ضريبة اختصار الوقت، لكننا ندفع هذه الضريبة بشكل مضاعف، الأرقام المفزعة للخسائر تقول هذا، والأرقام لا تكذب، ولا تزور الحقائق، ورجال المرور الذين يبذلون جهودا مشكورة في هذا المقام بغية الحد من هذا النزيف المستمر، لا يجوز أن يكونوا وحدهم في ميدان تتفاعل فيه معظم عناصر المجتمع، تتأثر وتؤثر فيه، وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل عمّا أنجزته أسابيع المرور السنوي في مجال التوعية، ومدى فاعلية مشاركة القطاع الخاص التي لم تتجاوز حسب علمنا المساهمة ببعض العبارات التوعوية، والملصقات، وما إليها؟

ربما نتفق على هامشية أثر المواعظ التقليدية في التأثير في مثل هذه القضايا، التي تقضم كل يوم جزءا من مقدرات هذا الوطن.. إنسانا وممتلكات، وقد نتفق أيضا على أن منجز هذه الحملات السنوية لم يستطع تجاوز ما هو أكثر من التذكير بتلك المصائب، التي ما غادرت أذهان الناس، حتى أولئك الذين يُقدمون السيارات بطريقة هدايا النجاح لأبنائهم غير الراشدين.

المعضلة كل المعضلة أننا ما زلنا كمجتمع ننظر إلى مخالفات المرور على أنها مجرد تجاوزات صغيرة، ولهذا لا يتورع الكثيرون من محاولة التوسط فيها، لأنها في الذهنية الاجتماعية لم ترتفع إلى مستوى الجرم أو حتى الخطيئة، رغم أن قطع الإشارة مثلا ربما لا يختلف عن إطلاق رصاصة بشكل عشوائي من سلاح ناري، هذا الفهم القاصر أفرز جملة من الآثار السلبية، أدت بالمحصلة إلى عجز نظام المرور واستعصائه على التطبيق بحزم، يُضاف إلى هذا تأخر قيام المحاكم المرورية المؤهلة لاستصدار أحكام صارمة في هذه القضايا التي قد يضاهي قتلاها ومصابوها ضحايا بعض الحروب.

لكن هذا يجب ألا يدفعنا إلى أن نغمض أعيننا عن الجانب الآخر من المعادلة، وهو سوء تنفيذ بعض الطرق الطويلة من جانب المقاولين، التي تهترئ سريعا تحت وطأة زيادة حمولة بعض الشاحنات الخاصة بالبضائع، وعدم فاعلية الموازين في ضبط أوزان الحمولة بما يتفق مع إمكانية تحمّل الطريق، حيث تتحوّل بعض مساراتها إلى ما يُشبه الأخاديد، التي قد تسهم في إخلال توازن بعض المركبات الصغيرة حال دخولها إلى تلك المسارات، أمّا الضلع الثالث في هذه المعادلة فهو هندسة المرور، وطريقة تنفيذ بعض التقاطعات التي تفتقد الانسيابية، ما يرفع من منسوب الحوادث فيها.

كل هذه الأمور مجتمعة يجب أن تنتظم في إطار واحد عند فتح ملف المرور، لأن العلاجات الجزئية ستظل في حكم المسكنات التي ما تلبث أن تفقد مفعولها بمجرد مرور الوقت. مثلما إن الاندفاع باتجاه تنفيذ المطبّات الصناعية، وأحيانا بشكل عشوائي، دليل عجز يُعاقب فيه الجميع بجريرة تجاوز المخالفين، من هنا نرى أن قضية المرور بكل مخرجاتها الدامية ما عادت قضية سير وحسب تتصدى لها إدارات المرور وأمن الطرق، وإنما هي قضية مجتمع يجب أن تتضافر كل جهوده فيها ابتداء من مدارس التعليم العام إلى الجامعات، ومن المرور ووزارة النقل إلى القطاع الخاص، لإعادة فتح هذا الملف بكل تشعباته، حتى نستطيع أن نحوّل أسابيع المرور إلى احتفالية سنوية تُعْلِن فيها أرقام المخالفات والكوارث المرورية هبوطا.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية