هناك معاناة حقيقية لمعظم عملاء التأمين الصحي, ومماطلة في الرد على طلبات العلاج وهي لا تزال قائمة، رغم أن جهود مجلس الضمان الصحي تتركز على نجاح برنامج تأمين الخدمات الصحية والحفاظ على مصالح شركات التأمين ومقدمي الرعاية الصحية, ولأن عدد المسجلين في نظام التأمين الصحي يفوق ستة ملايين شخص, فإن معوقات نجاح هذه الخدمة لم تعد أمرا مقبولا بأي حال، لذا فإن الخطوة التي اتخذها مجلس الضمان الصحي في تحديد مهلة الرد على طلبات العلاج بـ 60 دقيقة فقط, هي إجراء فاعل لإلزام شركات التأمين بالرد على طلبات مقدمي الخدمة من مستشفيات وعيادات وصيدليات ونحوها.
إن عدد الشركات المؤهلة في سوق التأمين الصحية 24 شركة، في حين تم اعتماد 1407 من مقدمي الخدمة الصحية، وإذا تصورنا أن تبقى هذه المنظومة من الأطراف والعملاء دون ضوابط صارمة، فإن حقوق العملاء ومصداقية بعض الشركات ومستوى الخدمة ستكون في أزمة تحيط بالتأمين الصحي، وقد تؤدي إلى عدم القناعة بهذه الخدمة, وعندما تتحول المماطلة والتسويف إلى سلوك معتاد، فإن أول المتضررين هم المرضى ومن يحتاجون إلى الخدمة، أما الأسوأ من ذلك كله, فهو ذلك الضغط الذي تشكله أهمية الموافقة من قبل شركة التأمين على دفع التكاليف ليتم تقديم الخدمة، فالمرضى في بعض الحالات في وضع لا يمكن فيه تحمل مزيد من المتاعب النفسية، فضلا عن إضاعة الوقت للحصول على الرعاية الصحية.
ستعتمد الآلية الجديدة معيار الوقت المحدد بساعة واحدة فقط من تاريخ تسلم الطلب من مقدم الخدمة الصحية لشركة التأمين، فالموافقة ستعدّ تامة وصحيحة إذا مضت 60 دقيقة على تسلم الطلب ولم يتم الرد حسب الآلية المعتمدة، وهذا سيسهم في وضع حد زمني ملزم لشركات التأمين, التي لم تضع في حسبانها أهمية خدمة عملائها في الأوقات الحرجة، حيث تظهر أهمية مركز خدمة العملاء في التواصل الدائم مع مقدمي الخدمة، فالتأمين لا ينتهي بمجرد تسلم أقساط التأمين، بل يجب أن تستمر الخدمة الجيدة خلال فترة سريان وثيقة التأمين وهي سنة كاملة.
لقد أنهى التأمين في المملكة مرحلة القناعة بشرعيته, ثم أنهى مرحلة الهيكلة التي أدت إلى خروج غير المؤهلين وتأسيس شركات مساهمة جديدة أو مندمجة تحت مظلة النظام والرقابة الفعلية لأجهزة الإشراف، ويجب إنهاء مرحلة حماية المصداقية وجودة الخدمة والالتزام بضمان تغطية المخاطر الصحية بصورة مقبولة ولائقة، لأن التأمين الصحي يهم كل فرد وأسرة، فضلا عن أنه مساند للخدمات الصحية التي تقدمها مستشفيات القطاع الحكومي، وهو أيضا مجال لتجربة جديدة متى نجح وحقق أهدافه، فالتغطية التأمينية تشمل حاليا موظفي وعمال القطاع الخاص بصورة إلزامية، وهناك تصور جاد لنقل هذه التجربة، متى نجحت، لتشمل موظفي القطاع الحكومي من مدنيين وعسكريين ومعلمين وغيرهم، ومن يدقق في فاتورة العلاج الطبي الذي تقدمه الأجهزة الحكومية من خلال الميزانية الرسمية المعتمدة، فإنه سيذهل لضخامة هذا الرقم الذي يتجاوز ثمانية آلاف مليون ريال سنويا، وإذا تصورنا أن هذا المبلغ أو بعضه تم دفعه لشركات التأمين لتقديم خدمة الضمان الصحي، فإنه بلا شك سيحفز الاستثمار على إنشاء المستشفيات والمراكز العلاجية، وسيطور القطاع الصحي الخاص، ويدعم برامج الرعاية الصحية, ويخفف الضغط عن مستشفيات القطاع الحكومي، ولكن يجب أن تنجح التجربة أولا.
إن الجميع يعلقون أملا كبيرا على دور مجلس الضمان الصحي، فمن خلال الإجراءات والضوابط التي يضعها سيكون المحك الحقيقي لنجاح تجربة التأمين الصحي، وهي كفيلة بتحول كبير في تقديم هذه الخدمة من خلال المستشفيات والشركات، وتعميم هذه التجربة في ميادين أوسع سيكون الرابح فيها شركات التأمين الصحي، لأنها المستثمر الأول في هذا المجال الحيوي المهم.
