في ذكرى حسن هويدي

|
وأخيرا وضع (حسن هويدي) رأسه في التراب وارتاح من كدح أربع وثمانين عاماً؛ فهنيئا لذلك التراب أن يتوسده هذا التراب. جاء في الحديث مستريح ومستراح منه؟ قالوا يا رسول الله ما المستريح والمستراح منه؟ قال: العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله عز وجل. والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب. ويحضرني في هذا تلك الآية التي تقول إن الأرض تبكي على الصالحين، أو لا تبكي على فصيلة فرعون ومن والاه عبر التاريخ؛ كم تركوا من خلفهم جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين. فإذا أردت الخشوع في الصلاة فتأمل صلاة هذا الرجل الرباني.. مات هذا الرجل التقي النقي الورع، وكان مميزا عظيما مجاهدا تقيا نورانيا واعيا جريئا سياسيا قياديا هادئا بقوة، مفاوضا بحكمة، عليه رحمة الله، ولا نزكي على الله أحدا.. ومن أمثاله في حياتي أذكر صديقي عبد الحليم أبو شقة، الذي دلف مع زوجتي ليلى سعيد إلى دار الأبدية. ومن هؤلاء الخاشعين في صلواتهم ذكر أخي الفاضل عبد الحميد أبو سليمان، ونوري إبراهيم عبدو صديقي من القامشلي، الذي امتحن فلبث في السجن بضع سنين، ونجا من سرطان القولون بأعجوبة.. وهي خلاف كل ما يعرفه الطب.. فعلى من يريد أن يصلي تأمل خشوعهم حتى يعرف كيف يؤدي الصلاة.. وهنا أدركت معنى قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون، وعجبت من أولئك الذين يؤدون الصلاة طقوسا ميتة دون خشوع وإنما حركات.. وكنت قد كتبت فيما سبق عن أستاذ الرياضيات أمين شاكر الذكي الموهوب التقي النقي المجاهد، الذي جاءه الأجل في غير بلده، وما تدري نفس بأي أرض تموت، كما ماتت زوجتي وملهمتي في أرض البعد والبرد في كندا، كذلك صنوه وقرينه ورفيق جهاده الدكتور حسن هويدي الذي لحق به فهما في مقعد صدق بعد طول نصب وعذاب. لقد قرأت كتابه الوجود الحق فتعلمت منه عمق الفلسفة، وزرته في دير الزور فقرأت الطمأنينة العجيبة في عينيه ومسلكه، وهنا عرفت لماذا يعتنق الغربيون الإسلام، لأنهم يرون بشرا من نوع مختلف.. وهكذا كان أمين شاكر وكذلك رفيق دربه وجهاده الدكتور حسن هويدي.. الأول برع في الرياضيات فأخرج جيلا كاملا من الطلبة النجباء، والثاني طبب الناس مرتين في أبدانهم وعقولهم..ولكن أهم ما في الاثنين ذلك الهدوء العجيب الذي تقرأه في وجه المؤمنين فزادهم إيمانا، وأنزل السكينة في قلوبهم، وشجاعتهم في وجه الطاغوت منقطعة النظير دفعوا ثمنها غرما وحبسا، وكانوا رواد جيل كامل فبهداهم اقتده.. لقد مر علي في حياتي أناس لا ينسون: أمين المصري في حديثه عن الصحابة، وصديقي توفيق دراق الرائع الذي دفع حياته ثمنا للعنف في تدمر، وهو الودود الذي جاء بأرفع الشهادات من كندا، وجودت سعيد مجدد الفكر الديني، والفيلسوف البليهي، ذو الوجه النوراني والعقل المتوقد والثقافة بعمق المحيط. يا ربي إن أعظم كنوز الإنسان في الدنيا هذه هي الثروات المعنوية، والأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين.. وأخيرا ارتاح المجاهد حسن هويدي فتداعى إلى التراب مهاجرا في عمان بتاريخ 13 آذار (مارس) 2009م الموافق 16 ربيع الأول 1430هـ. ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله.. يا حسن هويدي أنت اليوم في موعد مع الحقيقة واليقين، ولقد كانت حياتك كلها لله وإلى الله الرجعى.
إنشرها