بعد أن خلقت الأزمة الغذائية ردود فعل في عدة دول وصدرت تقارير بعضها يكشف عن مخاطر تمس صناعة الغذاء وتوفيره في العالم تبقى القرارات الفاعلة هي المؤثر في التعامل مع أزمة الغذاء العالمية والتي أدت إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار الصادرات الزراعية وتنافس اعترضت عليه بعض الدول الصناعية لمخالفته قوانين تحرير التجارة، فالواقع يؤكد أنه عند حدوث الأزمات الكل يبحث عن حلول لضمان وضع أفضل بالنسبة له ولعل دول الخليج كانت في قلب الأزمة، حيث تستورد وحسب تقرير صادر من صندوق السلع الأساسية التابع للأمم المتحدة فقد أوضح مدير الصندوق أن منطقة الخليج تعتمد على الخارج بنسبة 100 في المائة وأن إجمالي قيمة وارداتها في عام 2007 أكثر من عشرة مليارات دولار.
ورغم أن هناك زراعة محلية وصناعة للغذاء من خلال شركات الإنتاج الزراعي المتعددة في مجال صيد الأسماك والألبان والتمور وغيرها مما يشكك في صدق الأرقام المعلنة التي تعطي نتيجة منعدمة للإنتاج المحلي، حيث تصل نسبة الاستيراد إلى ما يقارب 80 في المائة من احتياجات منطقة الخليج وبنسب متفاوتة من دولة إلى أخرى وهي أيضا نسبة مرتفعة لأنها واردات تعتمد على عقود استيراد سنوية ومع بائعين لديهم زبائن من دول متعددة فضلا عن مخاطر وقف ذلك الاستيراد متى تعرضت الدول المصدرة إلى احتياج وقف التصدير، حيث لها الأولوية في توفير احتياجاتها الغذائية.
لقد أوجدت أزمة الغذاء العالمية أفكارا جديدة ذات بعد استثماري وهي أصبحت من الأهداف الاقتصادية المعلنة فالتنمية يمكن أن تكون فاعلة لخدمة الاقتصادات الوطنية من خلال الاستثمار الخارجي، حيث توجه المبالغ المالية نحو مشاريع الاستثمار الزراعي الخارجي في الدول التي تتوافر لديها عوامل نجاح النشاط الزراعي من حيث توافر الأراضي والمياه والأيدي العاملة فضلا عن الاستقرار السياسي الذي يحقق الأمان للرساميل ونجاح المشاريع الاستثمارية الزراعية.
إن تحويل البنك الزراعي إلى صندوق التنمية الزراعية سيتيح للصندوق أن ينتقل من الإقراض لأغراض النشاط الزراعي إلى الاستثمار في النشاط ذاته وهذا هو المطلوب فعلا في المرحلة الراهنة وفي بلد كالمملكة تراجعت فيه الأنشطة الزراعية إلى مستوى غير مناسب للاحتياجات الحالية والمستقبلية فإنه لا بد من نقلة نوعية وتغيير رئيس في تحفيز الإنتاج الزراعي سواء كان من ضمن أنشطة الأفراد أو الشركات والمؤسسات الزراعية وحتى في مجال استثمارات الدولة الخارجية فهي ضمانة ضد أية مخاطر عالية قد تمس إمكانية الاستيراد الغذائي من الخارج لأسباب تجارية أو غيرها، حيث تتعدد المخاطر بدءا من حرب الأسعار التي تغري البائعين برفع الأسعار في مواجهة المستورد الخليجي وانتهاء بالأسباب السياسية التي هي دائما محل الاعتبار في ضرورة تملك المشاريع الزراعية والخروج من نفق تقديم طلبات الشراء من الآخرين وانتظار ما سيصدر عنهم من قرارات ومواقف.
إن المملكة بلد شاسع فهو أشبه بقارة ولديه إمكانات مالية ضخمة ولكن رغم ذلك فهناك خصائص وسمات جغرافية متشابهة فندرة المياه وتدهور الأراضي وتصحرها وانحسار الاهتمام الأسري بالزراعة وتربية الماشية فضلا عن الظروف المناخية التي تعد من أقسى الظروف المناخية في العالم ومع تزايد الفجوة بين الاحتياج والإنتاج تصبح هناك قضية نقف أمامها في موقف تحد ومواجهة وليس هناك خيار من التغلب عليها, فالأمن الغذائي جزء من عناصر الأمن الذي يجب أن يتوافر لكل أمة ودولة, فالآخرون لديهم ما يمكن أن نسميه أمن موارد الطاقة وهو محل اعتبار دائم في تفكيرهم الاستراتيجي وحينما يتم تبادل المصالح في مجتمع دولي يضع في جدول أعماله تحقيق مصالح الآخرين واحتياجاتهم فإن أهم ما يجب أن نركز عليه تطوير قطاع الزراعة المحلي لأولويته مع دعم التقنية الزراعية والاهتمام بالمناطق ذات القابلية للاستثمار الزراعي وأخيرا التخطيط الجيد لاستثمار خارجي ناجح وبعيد المدى ويبدو أن هذا أصبح من أساسيات استثماراتنا الخارجية التي ستعتمد عليها الأجيال المقبلة.
