مستقبل النظام المالي العالمي بعد الأزمة

|
أثارت الأزمة المالية الحالية حملة عالمية لإعادة النظر في النظام المالي العالمي بسبب ارتفاع درجة الهشاشة المتأصلة في الهيكل الحالي لهذا النظام، وبصفة خاصة في ظل المد العولمي الذي اجتاح أسواق المال خلال العقدين الماضيين، والفوضى التي صاحبت عمليات الابتكار للأدوات المالية الجديدة، وطبيعة المخاطر المصاحبة لهذه الأدوات، وفشل مؤسسات التقييم في فهم طبيعة المخاطر الخاصة ببعض الأدوات المالية الحديثة، ومن ثم تضليل المستثمرين حول مستويات المتانة المالية للكثير من المؤسسات المالية. وتتركز جهود إعادة هيكلة النظام المالي العالمي حاليا حول الجوانب التنظيمية، ودور المؤسسات المالية المختلفة، والدور المنوط بالحكومات القيام به في ظل الأزمة. ويمكن أن ينظر إلى الأزمة المالية على أنها تمثل نقطة تحول مهمة في تاريخ العالم الحديث، فبعد أكثر من عقدين من النمو الاستثنائي للنظام المالي العالمي الذي انطلق من الإيمان المطلق بنظام السوق وآليات الاقتصاد الحر، أخذت المؤسسات المالية حاليا تتكيف مع بيئة أعمال جديدة تتسم بشكل عام بتشديد الائتمان وانخفاض معدلات النمو الاقتصادي وزيادة درجة التدخل الحكومي، وتراجع وتيرة العولمة المالية التي سادت في السابق مع اتجاه الحكومات نحو تشديد عملية فتح حدودها من أجل حماية اقتصاداتها من الآثار السلبية التي تنشأ عن ضعف المناطق الأخرى في العالم ماليا. منذ أيام صدر الجزء الأول من تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي، في دافوس، حول مستقبل النظام المالي العالمي، الذي تناول بالتحليل طبيعة التغيرات المتوقع حدوثها في المستقبل القريب لإعادة هيكلة النظام المالي العالمي في المستقبل. ووفقا للتقرير تتمثل أهم جوانب التغير المتوقع حدوثها للقطاع المالي العالمي في الآتي: التدخل التنظيمي لإصلاح النظام المالي ارتكزت الاستراتيجيات الرئيسة للمصارف العالمية على الإيمان بحرية الأسواق والاعتماد على التنظيم الذاتي. على سبيل المثال فإن قطاع الخدمات المالية في الولايات المتحدة شهد تطورا جوهريا عام 2004 في شكل تعديل قاعدة "صافي رأس المال" لبنوك الاستثمار التي تتملك أصولا تتجاوز خمسة مليارات دولار، حيث سمح لهذه البنوك باستخدام نظم إدارة المخاطر الخاصة بها لحساب احتياجاتها الرأسمالية، وهو ما أدى إلى نقل بعض مسؤوليات عمليات الرقابة من لجنة الأوراق المالية والبورصات في الولايات المتحدة وهيئات الرقابة في أوروبا إلى البنوك ذاتها. غيرا أن الأزمة المالية قد أدت إلى إعادة التفكير حول دور الحكومة في قطاع الخدمات المالية، فعلى النقيض من العقد الماضي وتفضيل الدور الحكومي المحدود، أصبح ينظر إلى الحكومات الوطنية حاليا على أنها مصدر مهم لرأس المال واللاعب الرئيس في حماية النظام المالي العالمي، وهذا الاتجاه الجديد والتحول الجوهري في نظرة القطاع المالي لدور الحكومات يشير إلى بداية وجود نوع من العقد الضمني بين الحكومات والمؤسسات المالية، الذي بمقتضاه تمنح الحكومات الطرف الأخير حق الاستمرار في ممارسة النشاط في مقابل مزيد من الرقابة والتنظيم من قبل الحكومات. أكثر من ذلك فإنه من المتوقع إعادة هيكلة البدائل الاستثمارية لمؤسسات القطاع المالي، بحيث يقل استخدام الأدوات مرتفعة المخاطرة وضمان ضرورة تنويع المحافظ المالية للمؤسسات المالية وتوازنها لإحداث التوازن المطلوب بين العوائد ومستويات المخاطرة، وفي الوقت ذاته ضمان مستويات أعلى من السيولة. في قمة مجموعة العشرين حول الأسواق المالية والاقتصاد العالمي، التي عقدت في تشرين الثاني (نوفمبر) 2008، التزم قادة تلك الدول باتخاذ إجراءات عاجلة وفي الأجل المتوسط يلتزم بمقتضاها صانعو السياسة على المستوى العالمي بإطار تنظيمي جديد للقطاع المالي، الذي يتوقع معه أن تتسع عمليات تنظيم وحدات القطاع المالي، وزيادة التنسيق العالمي في مجال تنظيم هذا القطاع. وترتكز عمليات إصلاح النظام المالي على خمسة مبادئ أساسية للإصلاح، وهي: 1. تعزيز الشفافية والمساءلة في النظام المالي. 2. تعزيز التنظيم السليم في النظام المالي. 3. تعزيز النزاهة في الأسواق المالية. 4. تعزيز التعاون الدولي بشكل عام. 5. إصلاح المؤسسات المالية الدولية. القطاع المالي العالمي سيشهد إذن في المستقبل درجة أكبر من التنظيم ومستويات أعلى من الرقابة على أعمال هذا القطاع. العودة إلى أساسيات العمل المصرفي ستدفع الأزمة المالية العالمية البنوك إلى العودة مرة أخرى إلى أساسيات الصناعة المالية، بصفة خاصة الحفاظ على ميزانيات سليمة. وقد بدأت البنوك من جميع الأنواع في عمليات إصلاح واسعة لمواقف ميزانياتها من خلال رفع معدلات السيولة، والحفاظ على نسبة ملائمة لرأس المال إلى الأصول، وتخفيض الاعتماد على عمليات الإقراض قصير الأجل ومرتفع المخاطر. ومن المتوقع أيضا أن تسلك البنوك سلوكا مختلفا في استراتيجياتها التنافسية، بحيث تعتمد بشكل أكبر على قدراتها الجوهرية، وكذلك من المتوقع التأكيد على المزايا التنافسية التي تملكها البنوك من جديد. معظم البنوك ستقوم بعملية التحول هذه على مرحلتين، في المرحلة الأولى الاستمرار في موجة إلغاء القروض التي تتسع حاليا في مجال الصناعة المصرفية، حيث سترتكز استراتيجيات البنوك في هذه المرحلة على إصلاح ميزانياتها من خلال تعديل تركيبة أصولها والتزاماتها، وزيادة رأسمالها، وربما الاندماج كإمكانية للمؤسسات الأضعف في إعادة بناء نفسها. وفي المرحلة الثانية فإن البنوك التي اجتازت الأزمة ستعيد تقييم قدراتها، وتعيد تركيز نماذج أعمالها في أنشطة أضيق نطاقا موجهة أساسا نحو عملائها. من ناحية أخرى، فإن الإطار المقترح للمؤسسات المالية في المستقبل يشير إلى أنها ستخضع لدرجة عالية من التنظيم، كما ستمنح ضمانات حكومية عالية بصفة خاصة للبنوك، وذلك من بين أمور أخرى. وفي المقابل فإن البنوك يجب أن تحتفظ بكميات كافية من الأصول السائلة قصيرة الأجل لكي تكون على أهبة الاستعداد دائما إذا حدث خلل في الأسواق. معنى ذلك أن الأوان قد آن لموجات تكسير القواعد التي صاحبت الابتكارات المالية الحديثة، التي صبغت النظام المالي العالمي خلال العقدين الماضيين أن تتم مراجعتها لضمان سلامة القطاع المصرفي والعودة مرة أخرى إلى أساسيات العمل المصرفي الرصينة. تباطؤ وتيرة عولمة القطاع المالي مكنت العولمة المالية مؤسسات القطاع المالي من النمو في أسواق جديدة في كل من الدول المتقدمة والناشئة معا، وهو ما ساعد الصناعة المالية على النمو بالشكل الهائل الذي رأيناه في السابق، ومكن المؤسسات المالية من تحقيق إيرادات وأرباح مرتفعة، وفي الوقت ذاته مكنها من تحقيق درجات أعلى من التنويع لمحافظها المالية. ومن أهم الآثار المصاحبة للأزمة حدوث تباطؤ في نمو عولمة السوق المالية العالمية، ومن ثم النمو المستقبلي للمؤسسات المالية التي تقرض بالجملة. وتتمثل أهم ملامح هذا التباطؤ في أن الأزمة قد أدت إلى تأميم الكثير من البنوك على المستوى العالمي سواء بصورة كاملة أو جزئية، ومع تزايد أعداد البنوك المؤممة ستزداد الحوافز لدى الحكومات نحو تبني سياسات مصرفية وطنية لحماية هذا القطاع من المنافسة، ومن المتوقع بعد أن قامت الحكومات بإنفاق مليارات الدولارات لإنقاذ بنوكها الوطنية، ألا تصبح راغبة في أن تسمح للبنوك الأجنبية بالمنافسة مع بنوكها الوطنية، وهو ما قد يترتب عليه فصل النظام المصرفي المحلي عن النظام المصرفي العالمي من خلال ازدياد تركيز البنوك على أسواقها الوطنية. من ناحية أخرى، هناك تهديد كامن متمثل في زيادة مستويات الرقابة المالية على خروج ودخول الرساميل وبصفة خاصة الرساميل الساخنة، فمع قيام حكومات العالم بتحمل الأعباء التي ترتبت على الأزمة، فإنه من المتوقع أن تعمل هذه الحكومات على الحد من فرص تعرض اقتصاداتها المحلية للأزمات الخارجية مرة أخرى. وعلى الرغم من أن أهم آثار العولمة المالية هي ظهور البنوك العالمية، وتكامل أسواق السندات على المستوى الدولي وربط نظم الاتصالات والبيانات وأن تلك الاتجاهات يصعب انعكاسها، إلا أن هناك إمكانية لحدوث درجة ما من الانعكاس في ظل الأزمة. ولكن ما الآثار المصاحبة لتباطؤ العولمة المالية؟ إن أهم الآثار المترتبة على ذلك هو الحد من فرص الاستثمار المالي دوليا بالنسبة للمؤسسات المالية ذات الحجم الكبير، فضلا عن أن فرض القيود على حركة رأس المال سترفع من تكلفة الديون ومن الممكن أن تقلل من درجة الارتباط بين العوائد على الأصول عالميا. باختصار فإنه من المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة انخفاضا في حجم النظام المالي العالمي وزيادة في التدخل الحكومي لتنظيم هذا القطاع، وإعادة هيكلة للأدوات المالية المستخدمة، وانخفاض حركة الأموال عبر الحدود القومية للدول. أستاذ الاقتصاد ـ جامعة الكويت
إنشرها