الثلاثاء, 11 أغسطس 2026|26 صَفَر 1448
الاقتصادية

في سياق استعراضه تجربة ماليزيا الاقتصادية في منتدى التنافسية الدولي الذي أقيم في الرياض أخيرا، وهي التجربة التي حققت لماليزيا موقعا اقتصاديا متميزا، أشار الدكتور مهاتير محمد رئيس الوزراء الماليزي السابق وعراب النهضة الماليزية المدهشة إلى أن اللغة الإنجليزية باتت تمثل لغة العالم، وقال: (إنها التنازل الأهم في مسيرة صناعتنا للاقتصاد الماليزي، خاصة إصرارنا واعتمادنا على اللغة الإنجليزية في تعليم مادتي العلوم والرياضيات).

ومن المعلوم أن اللغة الإنجليزية هي لغة الكمبيوتر، ولغة الإنترنت، بل لغة الاقتصاد والتقنيات العلمية إجمالا، ورغم أن المنهج الذي تُدرس به هذه اللغة في المرحلتين المتوسطة والثانوية وحتى بعض الجامعات في بلادنا، لا يزال منهجا هشا ومتواضعا لا يُفضي لما هو أكثر من حصول الطالب على درجة النجاح دون الإلمام الكامل بقواعد هذه اللغة وإجادتها تحدثا وكتابة، ولعل العدد الأكبر ممن يُنجزون هذا المنهج في مختلف مراحل التعليم ما يلبثوا أن يفقدوا كل ما درسوه بمجرد خروجهم من قاعة الاختبار، فضلا عن ذلك الجدل الذي يدور حول جدوى إقرار هذه المادة في جميع صفوف المرحلة الابتدائية، في الوقت الذي لا نزال نناقش فيه ما يُسميه البعض الآثار السلبية لتدريس المواد العلمية باللغة الإنجليزية في الهوية الدينية للمجتمع السعودي، رغم تأكيد كثيرين من خبراء التربية والتعليم عدم صحة تلك المخاوف، وفق ما جاء في اللقاء الرابع لمديرات ومسؤولات التعليم الأهلي والأجنبي الذي استضافته الإدارة العامة للتربية والتعليم في مكة المكرمة أخيرا.

وإذا ما وضعنا تجربة ماليزيا التي أشار إليها الدكتور مهاتير محمد، والتي أحال أحد أهمّ أساساتها إلى تعليم مادتي العلوم والرياضيات باللغة الإنجليزية، وتجربة الهند، وهي تجربة عميقة وعظيمة، فرغم الاستعمار الذي تعرض له الهنود، ورغم وجود أكثر من 1652 لغة أكثرها الهندية، ورغم إيمانهم كمسلمين ومسيحيين بأن لغتهم هي لغة الخالق .. إلا أنهم تعاملوا مع اللغة بشكل تقني لا إيماني ـ كما يقول بشارة منسي ـ فاستخدموا الإنجليزية كلغة علم حتى نافسوا الغرب في العلوم، وها هي أضخم الشركات العابرة للقارات تتسابق نحوهم على صعيدين، كسوق تقنية متطورة، ثم كعناصر إنتاج ماهرة.

وهذا ما يُحرضنا على التساؤل، ونحن نمتلك كل أدوات الاقتصاد المؤهل لقيام بيئة تكنولوجية وصناعية واقتصادية تتناسب مع حجم إمكاناتنا الذاتية، عن هذه الفوبيا غير المبررة من تعليم المواد العلمية باللغة الإنجليزية .. خاصة العلوم الحديثة والرياضيات، طالما أن أكثر من 50 في المائة من المقررات تدرس بلغتنا الأم، فضلا عمّا يضمنه القرآن الكريم، والذي يحظى ولله الحمد بعناية خاصة في مناهج التعليم في جميع مستوياتها، وهو بلا شك أهمّ ضمان لعدم الإخلال بالهوية الدينية، التي دعت لتعلم اللغات: (من تعلم لغة قوم أمن مكرهم)، وطلب العلم ولو في الصين، وحتما من يطلب العلم هناك لن يجده بلغة سـيبويه والكسائي والخليل بن أحمد، وإنما سيأخذه من لسان كونفشيوس!

لهذا ومع اعتزازنا بلغتنا، لغة القرآن الكريم، وإصرارنا الأكيد على التمسك بها، فإن هذا لا يُلغي ضرورة إعادة النظر في تعليم بعض المواد العلمية التي تشكل أساس فهم تلك العلوم باللغة الإنجليزية، وذلك لفتح الباب أمام أبنائنا وبناتنا لأخذ مواقعهم في هذا العالم التقني، الذي يبقى فيه من لا يُجيد الإنجليزية مهما كان تأهيله كالأمّي بين المتعلمين، وعلينا ألا نكابر، وألا تأخذنا العزة بالإثم، ونحن نرى في يوميات حياتنا حتى داخل الوطن من يشعر بالغربة لعدم إلمامه بهذه اللغة، في المستشفيات حيث هي لغة الطب الحديث، وفي البنوك حيث هي لغة الاقتصاد، وحتى في إطار تصيّد المعلومة من خلال الإنترنت من المكتبات العالمية ومراكز البحوث وغيرها .. علينا أن نضع تجربة ماليزيا وهي البلد المسلم وما حققته بمشروعها من نجاح، وتجربة الهند في مدى رؤيتنا لما نريد أو نأمل أن نصل إليه، وهو ما سيتسنى لنا بالتأكيد متى أخذت هذه اللغة التي تتفاهم بواسطتها كل الثقافات من أدنى الأرض إلى أقصاها موقعها في نظامنا التعليمي ليس كمجرد مادة للنجاح والرسوب، وإنما كوعاء علمي لقائمة طويلة من علوم العصر.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية