عندما وجه الأستاذ عبد الوهاب الفايز رئيس تحرير صحيفة "الاقتصادية" الدعوة الأسبوع الماضي لحضور لقاء الخبير الدولي الفرنسي فرانسوا هيزبورج المتخصص في الدراسات الاستراتيجية مدير مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية FRS في باريس ورئيس مجلس إدارة المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية IISS ومقرها لندن، ومركز جنيف للسياسة الأمنية GCPS وكانت الدعوة في مطعم القرية النجدية الرياض. بالتأكيد ما كنت أفكر به يختلف عما كان يفكر به عبد الوهاب الفايز لأن ما قصده رئيس التحرير برمزية المكان هو تغير بيئة الضيف ليطلع على تراث المنطقة الوسطى، أما ما قصدته أنا فالأمر مختلف لأن مفردات البيئة النجدية الجدران (المجصصة) والمزخرفة بالأهلة والمثلثات والدوائر غير المنتظمة والمشارب والأفاريز والشبابيك المطلية بالألوان الحمراء والصفراء والزرقاء والخضراء تندرج فيه الألوان المصفرة والنيلية والأسود المطفي والسقوف المحورية من جذوع الأثل وجريد النخيل تعيدني إلى أوائل القرن الماضي الـ 20 وتحديداً إلى عام 1916م زمن الحرب العالمية الأولى و(خبو) الدولة العثمانية وانحسارها في تركيا الحالية قبل أن تتخلى عن العثمانية عام 1932م كان مسيوبيكو مبعوث فرنسا والسير سايس وزير خارجية بريطانيا قد قسموا العالم العربي إلى اللون الأزرق لفرنسا والأحمر لبريطانيا وحرفي (A) (B) ومربعات لخطوط الطول ودوائر العرض. سورية ولبنان وأجزاء من فلسطين تحت التبعية الفرنسية والأردن والعراق وأجزاء من فلسطين تحت التبعية البريطانية وبقيت الجزيرة العربية بعيداً عن المستعمر الغربي. لذا لم أستطع أن أنفصل عن التاريخ لأنه ذاكرة ومحرض وربما تداعيات لا يهم ما كنت أقصده لأننا تجاوزنا زمن فرنسا وتاريخ الجزائر وذاكرة جبال الأوراس وحي القصبة ونضال دمشق ضد فرنسا وحتى أحمد شوقي عندما كتب باكياً دمشق وشهداءها:
سلام من صبا بردى أرق ودمع لا يكفكف يا دمشق
وإرسال فرنسا سفنها عام 2009م لمحاصرة سواحل غزة حتى لا يصلها السلاح. أنا لا أقصد فتح هذه الذاكرة بقدر أنها تداعيات راعفة تهادت مع ذاكرة الحجر والطين والجص الأبيض وبهارات الأكلات الشعبية (المرقوق والحنيني والمطازيز والسليق) ماضي الأمس عندما كنا نحن في وسط المملكة لا يصلنا من الأحداث الدائرة في الشام والعراق سوى الأمراض والحصار البحري ونشاط قطاع الطرق وتضطرنا أن نعيش على حبوب البر والسمن والتمر وبريطانيا العظمى وفرنسا تعبران البحار وتتوسعان في جغرافية الأرض والإنسان.. الآن واقع جديد يطرحه الخبير الاستراتيجي فرانسوا هيزبورج وهو المصالحة والسلام ومواجهة مشكلات المنطقة ودور أوروبا في دعم الحلول السليمة والمساعدات التي يمكن أن يؤديها الاتحاد الأوروبي لقيام دولة فلسطينية والدور الفرنسي في دعم وتثبيت المبادرات والاتفاقيات والدفع إلى التقارب في وجهات النظر بين العرب والإسرائيليين ومستقبل أوروبا القريبة جغرافياً والحدودية في المياه البحرية مع العرب إذا تقلص دور أمريكا في المنطقة وهو منظور قريب في الخطط الاستراتيجية الافتراضية. ولأننا لن نبقى معلقين بالماضي تأتي هنا أهمية حوار عن الاستراتيجيات وعن المستقبليات.
