أوضح الدكتور محمود عمار أستاذ الأدب العربي في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية أن فلسطين كانت ومازالت هدفا لليهود لأنها بلاد مقدسة عند الأديان الثلاثة الإسلام والنصرانية واليهودية ولموقعها الاستراتيجي بين قارات آسيا وإفريقيا وأوروبا, مؤكدا أن اليهود لم يحكموا أرض فلسطين إلا فترة يسيرة من عمر التاريخ لم تتجاوز 500 عام وعاشوا في جل فترات التاريخ أقليات عند سكان فلسطين العرب.
وأشار الدكتور محمود عمار في محاضرته عن القضية الفلسطينية في أحدية الدكتور راشد المبارك أن نابليون بونابرت حاول الاستيلاء على بيت المقدس لكنه فشل وهزم ووقف عند حدود عكا وقال قوله المشهور: "من ملك عكا ملك العالم" يقصد فلسطين، فيما قال هربرت صمؤيل أول مندوب سامي بريطاني في فلسطين وقائد الجيش البريطاني: إن السيطرة على فلسطين ستزيد من لمعان التاج البريطاني، ومن أجل ذلك حرص الاستعمار الصهيوني أن يكون هدفهم فلسطين بالذات, وفي هذا الشأن عقد مؤتمر في بريطانيا عام 1907م لدراسة الدول المستعمرة وأبدى المجتمعون خشيتهم وحدة الأقطار العربية ما يجعلها قوية وعملوا على وضع إسفين في وسط الأمة العربية لمنعها من النهضة والاتحاد.
وأوضح الدكتور عمار أن اليهود كانوا مشتتين وكان القرن الـ 19 الميلادي قرن القوميات المحلية في أوروبا, وسعى اليهود وعددهم آنذاك ثلاثة ملايين يهودي أن يكون لهم وطن قومي مثل أوروبا ووافق ذلك هوى عند الأوروبيين، إضافة إلى معاداة أوروبا لليهود بسبب سلوكهم المشين, وتوافقت الرغبات وعقد مؤتمر بال في سويسرا عام 1897، كما ألف النمساوي اليهودي هرتزل كتابه المعروف "الدولة اليهودية" وكان ذلك نقطة انطلاق الفكرة اليهودية. وقال الدكتور عمار وعمل هرتزل على مشروع الدولة اليهودية وحاول اخذ موافقة الدولة العظمى وقتئذ, أي الدولة التركية التي كانت تعرف بالرجل المريض وذهب إلى السلطان عبد الحميد للحصول على حق هجرة اليهود إلى أرض فلسطين, وتعهد له بتسديد ديون الدولة العثمانية، غير أن السلطان عبد الحميد قال: إن أرض فلسطين ملك للمسلمين ولا أستطيع التصرف بها، فدبر اليهود لإسقاطه وجاء كمال الدين أتاتورك الذين هم خلفه.
وأبان الدكتور عمار أن اليهود يقومون في دعوتهم على أمرين هما الحق التاريخي في فلسطين ووعد بلفور، موضحاً أن إبراهيم أبو الأنبياء جاء إلى فلسطين في القرن 18- 19 قبل الميلاد وتنقل ما بين مصر والعراق والجزيرة العربية ولم يملك فيها شبرا على الإطلاق، ولما ماتت زوجته سارة لم يجد مكانا يحفر فيه قبرا لزوجته وتبرع له أحد الكنعانيين بكهف لزوجته، ولو كان ما في التوراة صحيحا لملك إبراهيم هذه الأرض، وكذلك أولاده إسحاق ويعقوب الذي أوصى أولاده أن يدفنوه عند جدته سارة, وكل ما في التوراة من أن الله أعطى أرض كنعان لنسل اليهود مدسوس على التوراة.
وقال الدكتور محمود عمار في عرضه التاريخي إن موسى وأخاه هارون ماتا أثناء التيه ثم قام يوشع بن نون ودخل فلسطين مع اليهود الذين ظلوا دخلاء على أهلها الفلسطينيين يحكمهم قضاة من الأسباط عددهم 12 آخرهم شاؤول المعروف في القرآن الكريم بطالوت الذي قتل جالوت وكان النبي داود أحد قادة طالوت وأصبح حاكما على فلسطين من بعده دام حكمه 40 عاما من 100 قبل الميلاد إلى 961 قبل الميلاد، وأقام الهيكل في طول 160 كيلومترا وعرض 60 كيلو مترا. وجاء بعده ابنه سليمان ملك فلسطين في نصف حدود فلسطين التاريخية وبعدها انقسم ملك اليهود إلى دولتين هما يهودا والسامرة بنفس الحدود السابقة، ثم جاء الآشوريون من أقصى سورية وأسقطوا السامرة في نابلس، وفي سنة 587 قبل الميلاد أسقط بختنصر من العراق دولة أورشليم وهدم الهيكل ومحا وجودهم السياسي, ولم يعد لهم وجود سياسي على الإطلاق من سنة 587 قبل الميلاد إلى سنة 1948م وأصبحوا مجرد أقليات.
وبين الدكتور محمود عمار في 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 1917 صدر وعد وزير خارجية بريطانيا آنذاك بلفور إلى القطب اليهودي روتشليد وهو وعد خرافي, إن صح القول، ووعد من لا يملك لمن لا يستحق لأن الحق التاريخي باطل من أصله، وصدر صك الانتداب بعد الحرب العالمية الأولى لتحقيق بريطانيا وعد بلفور وتأسيس وطن قومي لليهود في أرض فلسطين، ويشير المحاضر أن بريطانيا فتحت باب هجرة اليهود إلى فلسطين فكانت أعداد اليهود سنة 1918 نحو 55 ألفا بنسبة 5 في المائة من السكان ويشكلون أقل أقلية يهودية في الوطن العربي.
#2#
ولكن بفتح باب الهجرة من ألمانيا والاتحاد السوفييتي وألبانيا وغيرها أصبح تعداد اليهود في فلسطين 400 ألف نسمة سنة 1948 بنسبة 40 في المائة من السكان، ورغم قيام ثورات كثيرة ضدهم من الشعب الفلسطيني أهمها ثورة سنة 1936 التي مثلت أعظم إضراب في التاريخ وعطلت مصالح بريطانيا إلا أن موازين القوى كانت مختلة لصالح اليهود المدججين بالأسلحة والطائرات والقوة العسكرية العظيمة.
وعرج الدكتور عمارة على قرار تقسيم فلسطين الصادر من هيئة الأمم المتحدة عام 1947 والذي أعطى اليهود 52 في المائة من أرض فلسطين و46 في المائة للعرب و2في المائة تحت إشراف دولي تشمل بيت لحم والمناطق المقدسة، ورفض العرب هذا القرار المجحف بحقهم ودخلوا في الحرب التي كانت مهزلة وضاعت فلسطين في شربة ماء، وكان جميع الدول العربية مع الحرب إلا المملكة ومفتي القدس أمين الحسيني الذين كانوا يرون دعم الفلسطينيين ماليا وعسكريا، وكانت الجيوش العربية بلا أسلحة فعالة وغير معدة عسكريا وتحت قيادة أجنبية مما ألحق الهزيمة بالدول العربية، وكان عدد الجيوش العربية من مصر وسورية والعراق والسعودية ولبنان وغيرها 35 ألف مقاتل, بينما كان عدد الجيش الإسرائيلي 50 ألفا اشتركوا في الحرب العالمية الثانية وذو دربة عسكرية فائقة، واحتل اليهود 87 في المائة من مساحة فلسطين ولم يتبق إلا 22 في المائة تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة. وأوضح الدكتور محمود عمار أن مساحة فلسطين 27 ألف كم ومساحة قطاع غزة370 كم وطوله 448 كم وعرضه 13 كم ويعيش فيه مليون ونصف المليون نسمة ويشكل أعلى كثافة سكانية في العالم، وقطاع غزة محاصر منذ 40 سنة وليس منذ ثلاث سنوات فقط، مشيرا إلى أن اليهود يراهنون على أن يأتي جيل فلسطيني وينسى وطنه ولكن الأجيال أشد تمسكا بأرض فلسطين ممن قبلها, وأوضح المحاضر أن قطاع غزة غرق في الظلام والمحروقات انقطعت وعاد الناس إلى الطبخ على الحطب نتيجة الحصار الجائر وإغلاق المعابر.
وقال الدكتور عمار إن إسرائيل استخدمت القنابل الفسفورية المحرمة دوليا في قصف قطاع غزة في أعنف حرب في التاريخ ووصل عدد الشهداء إلى 1300 شهيد و3500 مصاب وتدمير 14 في المائة من العمران ومحو أربعة آلاف بيت وتضرر 16 ألف بيت وجرائم أخرى لا يصبر عليها احد.
وفي كلمته أمام الحضور بين السفير الفلسطيني في المملكة جمال الشوبكي إننا نعيش في أزمة بعد العدوان الغاشم وما حصل في غزة هو قتل متعمد للفلسطينيين دون حساب, ويعتقد أن هذه الجريمة يجب ألا تمر بدون عقاب، وأشار السفير الفلسطيني إلى أن من يواجه إسرائيل يواجه أمريكا ومن يواجه أمريكا يواجه العالم مذكرا أن أمريكا تدعم إسرائيل بالسلاح والمال والفيتو الذي يحمي القرار السياسي, وأبان سعادته أن إسرائيل انتصرت انتصارا ساحقا في حروب 1948- 1967 وما بعد ذلك جاءت معارك عديدة لم تنتصر إسرائيل فيها انتصارا واضحا, موضحا أن إسرائيل لديها متناقضات والسلام يقتل إسرائيل وأن الجيش الإسرائيلي قام بالعدوان على شعب أعزل بإمكانات عسكرية يستطيع بها احتلال ثلاث إلى أربع دول عربية بسهولة، وقال الشوبكي إننا في حاجة إلى الوحدة والتقارب والتكامل مع الإخوة في حماس, مبينا أن الموقف العربي يبنى على ثلاث دول هي السعودية ومصر وسورية, وأن العرب يجب أن يتوحدوا الآن لأن الخلافات العربية تنعكس عليه.
