كنت كغيري من المواطنين نعتقد أن زمن شراء الدواء ومستلزمات التحاليل الطبية قد ولّى إلى غير رجعة، خاصة أنّ وزارة الصحة استأثرت ومازالت بما يفوق ثلث ميزانية الدولة ـ حرسها الله ـ خلال السنوات الماضية، بل الملاحظ حتى مع انخفاض ميزانية الدولة في السنوات العجاف، إلاّ أن الإنفاق على الصحة لم يتوقّف يوما ما، ولكن واقع الحال يختلفن تماما عن الطموحات والآمال التي تبدع خيالاتنا في رسمها، خاصة لدى فئة من الناس عزفت عن استخدام الخدمات الصحية الحكومية في الفترة الماضية ثمّ عاودها الحنين إلى ذلك بعد أن شنّفت مسامعها تلاوة مليارات وزارة الصحة في ميزانيات السنوات الحالية. وأنا هنا لا أتحدّث عن تجربة شخصية مررت بها وربّما عايشها عديد من المراجعين في مستشفيات وزارة الصحّة، ولكن الخوف كل الخوف أن يتحوّل ذلك إلى ظاهرة أو ممارسة يومية ربما لا يعلم عنها صاحب القرار، الذي في اعتقادي، بل ربما أجزم أن رأي المستفيد من الخدمة الصحية مهم بالنسبة له.
وحتى نضع الأمور في مسارها الصحيح سأتحدّث عن أحد مستشفيات منطقة عسير، التي، وأعني هنا منطقة عسير، تسمع عن المدن والأبراج الطبية ولم ترها. المستشفى هو مستشفى أبها العام، والموضوع هو تحليل مهم، وأعتقد أنّ غالبية النساء الحوامل يحتجن إلى إجرائه خاصة من سبق أن تعرّضن لعمليات إجهاض متكرّر. ولاحظ عزيزي المواطن أنّنا لا نتحدّث عن تحليل لمعرفة الصبغة المناسبة للشعر ولا تحليل لمعرفة لون العدسة المناسبة للعين، بل تحليل يمثل ركيزة أساسية للحامل، خاصة من اكتوت بنار الإسقاطات المتكرّرة. التحليل هوToxo IgM ولمن يرغب في معرفة المزيد عن هذا التحليل، فهو تحليل يحدّد ما إذا كانت جرثومة التوكسو نشطة، وبالتالي يستلزم فورا تدخلا دوائيا لإنقاذ الجنين والأم. والتوكسو هي جرثومة في الدم ترتفع نسبتها مع الحمل وتفتك بالأجنة وبشكل مروع ما لم يتم معالجتها بشكل فوري، ناهيك عن الآثار التي تقع على الحامل سواء من الجانب الطبي أو من الناحية النفسية، فبعد حمل وانتظار ربما يمتد إلى سبعة أو ثمانية أشهر تأتي هذه الجرثومة، بعد إرادة الله، لتغتال فرحة طال انتظارها وتقضي على آمال تمّ تشييدها. في مستشفى أبها لا مكان لهذا التحليل في مختبراتهم. بالمناسبة فالحديث هنا عن مستشفى أبها العام، المستشفى المخصّص أصلا للنساء والولادة، إذا كيف يُتخيّل الوضع في مستشفى محايل العام أو مستشفى تندحة، إذا كان فيها أصلا مستشفى.
أجزم أنّ وزير الصحة لن يقبل بهذا الأمر، وهو الوزير المؤتمن على صحة المجتمع. عادت بي الذاكرة وموظف المختبر يطلب مني إجراء هذا التحليل في مستوصف خاص إلى موقف حصل لي في مستشفى مدينة نورج في المملكة المتحدة، وإن كنت أرفض جلد الذات وهو مصطلح عندنا وعندهم، ولكن لا بأس من الاستشهاد والحكم النهائي للقارئ، فبعد ولادة موفقة في مستشفى نورج الحكومي سألتني كبيرة الممرضات: هل أتيت بسيارتي الخاصة أم بسيارة الأجرة؟ فأجبت بسيارتي، ولكن لماذا تسألين؟ فأجابت نظام الصحة لدينا (في المملكة المتحدة) يوفر لي قيمة المواصلات من وإلى المستشفى. عندها طلبت مني تذكرة المواقف، حيث سيارتي رابضة ليقوم المستشفى بدفع تكلفة الموقف البالغة نحو عشرة جنيهات.
يا سبحان الله سيارة تأتي بك وتعيدك إلى منزلك، وهنا تحليل لا مكان له في ميزانية وزارة تكفي لإنشاء دولة!
لن أقول لمثل هذا فأعدّوا يا معالي وزير الصحة، ولكن بعضا من الخدمات الأساسية ونحن سنأتي إلى مستشفيات الوزارة مهرولين ولا تدفعوا لنا ريالا واحدا.
