الاثنين, 10 أغسطس 2026|25 صَفَر 1448
الاقتصادية

صار من الصعوبة بمكان متابعة ما يجري على الساحة المالية والاقتصادية في العالم، خاصة في معاقل الرأسمالية، حيث أصبحنا نرى قلاع الرأسمالية تترنح أمام هذه الأزمة الاقتصادية، فمنها من قضى نحبه مثل شركة إنرون ENRON التي سقطت عام 2001, والتي تعد من أكبر شركات الطاقة في العالم. ثم أتت هذه الأزمة لتقضي على قلاع وتسلم قلاع أخرى بعد تدخل الحكومات بخطط إنقاذ دخلت خانة التريليونات من الدولارات، ومنها (القلاع) من ينتظر دوره إلى سقوط أو إنقاذ. لقد صار من الطبيعي المألوف هذه الأيام أن يطالعنا الإعلام عن خطط جديدة لإنقاذ شركات كبرى آيلة إلى إعلان الإفلاس، كان آخرها بنك سيتي جروب, الذي يعد من أكبر المصارف في العالم من حيث الأصول والقيمة السوقية حتى عهد قريب (قناة بي. بي. سي الجديدة الإلكترونية 24/11/2008). كذلك من الشركات التي تستجدي المساعدة من الحكومة الأمريكية, التي لها شأن عظيم في الاقتصاد الأمريكي والعالمي وتعد من معالم الحضارة الأمريكية شركات صناعة السيارات العملاقة "فورد", "جنرال موتورز", و"كلزلر"، التي تفكر الحكومة في خطة إنقاذ لتلك الشركات تبلغ 34 مليار دولار, وهي حتى كتابة هذه الكلمات أمام الكونجرس للتصويت عليها. هذا ما ظهر من جبل الجليد المغمور تحت الماء حتى الآن وما خفي كان أعظم حسب تقدير كثير من المحللين. فمن يدري ربما سمعنا في القريب العاجل عن خطط إنقاذ لشركات خطوط الطيران, ولربما شركات تصنيع الطيارات، وليس المستغرب أن نسمع عن شركات الخدمات مثل شركات الطاقة وغير ذلك كثير، إذا كان هذا شأن الشركات العالمية العملاقة التي قد تتجاوز ميزانية الواحدة منها ميزانيات عدد من دول العالم الثالث مجتمعة, فكيف بالشركات المتوسطة والشركات الصغيرة التي تعيش على أكتاف هذه الشركات العملاقة؟ سوف تتهاوى مثل أوراق الخريف.

لو أردنا رصد ما يجري في السوق المالية والاقتصادية هذه الأيام لعجز المكان عن استضافتها, ولعجز مسطر هذه الكلمات عن الإلمام بها. لقد بدأ العالم, وعلى الخصوص المواطن العادي, يحس بتأثير هذه الأزمة خاصة بعد تجاوزها سوق المال وتأثيرها في الاقتصاد الصناعي, وبدأنا نرى كثيراً من المصانع والمؤسسات الاقتصاديه تسرح موظفيها لتقليل التكاليف.

بعد هذه المقدمة التي لم نأت فيها بجديد ولربما سمع الواحد منا هذا الكلام عشرات المرات منذ الإعلان عن هذه الأزمة، إلا أننا نريد من ذلك التوطئة لما نريد الوصول له، وذلك كيفية معالجة هذه الأزمة وتجنب الوقوع فيها مستقبلاً. هذا يفتح أمامنا سيلا من التساؤلات, مثل: كيف وصلت الأمور إلى ما هي عليه؟ وهل سبب هذه الأزمة عيب في النظام الرأسمالي؟ أم هل هو عيب في التطبيق؟ أم هل يوجد نظام أفضل من النظام الرأسمالي؟ مثل نظام الاقتصاد الإسلامي أو النظام الاشتراكي أو نظام جديد هجين من كل هذه الأنظمة. بعد اندلاع هذه الأزمة بدأنا نسمع من كثير من خبراء الاقتصاد الإسلامي من يقول إن الحل لهذه الأزمة وتجنب الوقوع في مثلها مستقبلاً يكمن في تطبيق الاقتصاد الإسلامي, وفي الوقت نفسه نسمع من يقول بغير ذلك من اقتصاديي العالم ويدّعون أن الاقتصاد الإسلامي غير مؤهل للاضطلاع بمهام الاقتصاد العالمي الشامل والحلول محل النظام الرأسمالي. وهنا نصل إلى النقطة التي أردت الوصول إليها، مع اعترافي بعدم أهليتي للإفتاء في الشؤون الاقتصادية رغم العلاقة الوثيقة بين تخصصي تقنية المعلومات والاتصالات والاقتصاد، إلا أن ما شجعني على الولوج إلى هذا الموضوع هو أنه في هذه الأيام أصبح كل من له قدرة على فك الخط يفتي في عالم المال والاقتصاد وأصبح الجميع محللين ماليين واقتصاديين, فماذا يجعلني أختلف عن هؤلاء؟!

أقول وبالله التوفيق إن الأنظمة المالية في العالم ثلاثة، النظام الإسلامي، النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي، ولكل من هذه الأنظمة متعصبون ومنافحون ويرون أن نظامهم كلام مقدس لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. أما عن النظام الإسلامي فما ثبت فيه من القرآن الكريم والسنة المطهرة الصحيحة فذلك لا شك لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, ومن شك في ذلك فقد كفر بما أنزل على محمد ـ عليه أفضل الصلات والسلام، أما ما عدا ذلك فمن أمر دنيانا ومن صنع البشر يوفق إلى الصواب تارة ويعتريه الخطأ تارة أخرى، وقد قال من لا ينطق عن الهوى عليه الصلاة والسلام في أمر دنيانا في صحيح مسلم "حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد كلاهما عن الأسود بن عامر قال أبو بكر حدثنا أسود بن عامر حدثنا حماد بن سلمه عن هاشم بن عروة عن أبيه عن عائشة وعن ثابت عن أنس أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مر بقوم يلقحون فقال لو لم تفعلوا لصلح قال فخرج شيصاً فمر بهم فقال ما لنخلكم قالوا قلت كذا وكذا قال أنتم أعلم بأمر دنياكم" الحديث رقم 4358 (المصدر الإنترنت). ومن هذا الحديث الشريف نرى أن الحبيب عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم فوض أمر دنيانا إلينا ويجب ألا نجد في أنفسنا غضاضة في الأخذ من الآخر ما لم يكن ذلك مخالفا لما جاء به محمد ـ صلى الله عليه وسلم.

النظام الرأسمالي نظام من صنع البشر ليس منزها عن الخطأ وفيه خير كثير, والذي يعد آدم سميث أبو النظام الرأسمالي وأصل ذلك في كتابه ثروة الأمم (1776)،. كذلك القول بالنسبة للنظام الاشتراكي الذي أتى به ماركس وإنجلز وهو مثل النظام الرأسمالي من صنع البشر معرض للصواب والخطأ.

وبهذا نرى كما أسلفنا سابقاً أنه لا يوجد نظام مالي أو اقتصادي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ما عدا ما ثبت من القرآن والسنة الشريفة الصحيحة، وهنا يأتي السؤال المهم وهو: كيف يمكن الخروج من هذه الأزمة ومنع تكرارها مرة أخرى في ظل هذه الأنظمة الثلاثة، التي يدعي مطبقوها والمؤمنون بها والمتعصبون لها بأنها موروث مقدس لا يمكن أن يمس وأن في تطبيق ذلك النظام الازدهار والسعادة للبشرية؟ في رأيي المتواضع جداً أننا كأمة مسلمة مهمة ولها وزنها وثقلها في تاريخ الإنسانية, ولها بصمتها المنيرة والوضاءة في تاريخ الحضارات العالمية التي يعترف بها العدو قبل الصديق, وفي الواقع المعاش لها وجودها المهم على وجه الكرة الأرضية، والأهم من كل هذا لها الموروث الديني الكفيل بتوحيد هذه الأمة وإعادتها إلى أمجادها في أي وقت. ولكوننا جزءا من هذا العالم والمكتويين بميسم هذه الأزمة, وقد تكون الدول الإسلامية أشد تضرراً بهذه الأزمة من الدول المتسببة فيها، لهذا يجب أن يكون لنا يد في وضع الحلول لها، ويجب ألا ننتظر حتى نُدعى من قبل المؤسسات المتنفذة في العالم، وحتى إن دعينا فيجب أن يكون لنا ثقلنا اللائق بنا وألا نكون مجرد تكملة عدد ولمجرد ذر الرماد في العيون. لا بد أن نعد العدة وأن نبدأ من الآن، وعلى علماء الأمة من علماء دين وعلماء مال واقتصاد وعلماء العلوم الأخرى ذات العلاقة مثل علماء تقنية المعلومات والاتصالات وغير ذلك من العلوم ذات العلاقة، لا بد أن يكون لهم حضور فاعل فيما يخطط له من حلول لهذه الأزمة.

إنني أجزم أن العقول المفكرة والعلماء المختصين في شتى العلوم في هذه الأمة المباركة والمنتشرين في جميع بقاع الأرض لديهم القدرة لو أتيحت لهم الظروف المناسبة والإدارة السليمة على أن يضعوا نظاما اقتصاديا ومنهج حياة كفيل بحل أسباب هذه الأزمة وكفيل بتجنب الوقوع في أزمات مشابهه في المستقبل، وذلك في حال اتباع النهج النبوي الشريف, فقد فوض المصطفى ـ عليه الصلاة والسلام ـ هذه الأمة في أمور دنياها وفقاً للحديث السابق ذكره وفي الحدود التي فرضها عليها دينها. لذلك يجب ألا نرى غضاضة في الأخذ من أي نظام اقتصادي آخر رأسماليا كان أو اشتراكيا أو أفكارا فردية أو غير ذلك, شريطة كون ذلك ضمن الإطار والحدود التي جاءت في القرآن والسنة. لقد أتت هذه الأزمة وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وبعد أن جرب العالم النظام الاشتراكي وأثبت فشله وسقط وها هو النظام الرأسمالي يترنح أمام الأزمات الواحدة تلو الأخرى وقد يكون مصيره مصير النظام الاشتراكي، وأرى أنها فرصة لن تعوض لكي نسمع الغير صوتنا وأن نسهم في وضع الحلول الكفيلة بتجنب الوقوع في مثل هذه الأزمة مستقلاً, وأن نضع أو نشارك في وضع نظام اقتصادي جديد, وأن يكون النهج المتبع كالآتي:

1 ـ أن يكون القرآن الكريم والسنة المشرفة الصحيحة الإطار والحدود التي لا يجب تجاوزهما مهما كانت الأسباب.

2 الاجتهاد فيما عدا ذلك وفقاً لتلك الحدود وذلك الإطار.

3 أخذ ما صلح من النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي وأي نظم أخرى أو نظريات مفيدة تخدم الهدف.

4 السماح للآخر من علماء ومفكرين بالاشتراك في هذا المشروع وألا يكون محصوراً في المسلمين.

5 نظراً للعجز المعيب في الإدارة وتبني المشاريع الكبيرة والمهمة في العالم الإسلامي وعدم الاضطلاع بالمسؤولية وذلك قد يعود لأسباب سياسية, وهذا من أكبر المعوقات التي تقف أمام تقدم العالم الإسلامي، فلا مانع بأن تتبنى ذلك إحدى المؤسسات العالمية ولتكن إحدى الجامعات العريقة والمشهورة وفقاً للمعايير التي نوافق عليها. قد يقول قائل هذا كلام جميل ومدغدغ للمشاعر وغارق في الأحلام ولكن السؤال الكبير هو: كيف يمكن البدء في ذلك؟ ومن تقع عليه مسؤولية الاضطلاع بهذا المشروع وإدارته؟ وهذا تساؤل في محله ونضيف لذلك هذا السؤال من يعلق الجرس؟!!!

وهنا أدرك العبد الفقير الصباح فسكت عن الكلام المباح.

[email protected]

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية