في زمن أصبح فيه الإعلام الفضائي هو المسيطر والمتحكم في تشكيل الرأي العام العربي، أصبح من الخطأ الركون إلى وعي المتلقي وأنه سيفرق بين من يدعم قضايا الأمة وبين من يزايد عليها.
فالإعلام وما يبث فيه على مدى الـ 24 ساعة يومياً، لم يعد يشكل وعي ورأي المواطن البسيط فحسب، بل أصبح يشكل رأي عدد كبير من المتعلمين، بل وقادة الرأي الذين أصبحوا يبنون قناعاتهم على ما يُعرض أمامهم، وما يتحدث به محللو القنوات الفضائية، وما يتم تكراره من صورٍ وألفاظ، حيث أصبح البعضُ منهم يرددُ في حديثه، أو ما يكتبه عبارات تكاد تكون منقولة مما تطرحه هذه القنوات.
وللتدليل على مدى تأثير الإعلام نعود إلى أسابيع قليلة حينما أقدم طفل إماراتي على الانتحار تقليداً لما شاهده في أحد المسلسلات التركية، ثم حينما رأينا الإعلام يحتفي بما قام به منتصر الزيدي من رمي حذائه على الرئيس الأمريكي بوش، وصوَّر الإعلامُ هذا الأمر أنه قمة الإهانة لبوش لما يمثله الحذاء في الثقافة العربية من رمز للتحقير، ثم رأينا القنوات الفضائية تبرز مظاهراتٍ رفع فيها المتظاهرون الحذاء فوق رؤوسهم، فحول الإعلامُ الحذاء الذي هو محل إهانة إلى محل فخرٍ واعتزاز، يرفع في المظاهرات فوق الرؤوس، ويُجاور صور الزعماء العرب الذين اعتادت الشعوب رفع صورهم في كل مظاهرة يجري تنظيمها.
بل وصل تأثير الإعلام إلى أن يقوم نائبٌ برلماني كويتي برفع الحذاء أثناء خطبة جماهيرية، وقيام برلماني مصري برفع حذائه في وجه زميله أثناء نقاش برلماني، وهما تحت تأثير الصورة التي تكرر عرضُها عبر القنوات الفضائية.
إن ما يُعرض من أخبارٍ وصورٍ وما يرافقها من تحليلات موجهة ضد دول بعينها هي التي تشكل الرأي العام العربي، مما يستدعي عدم التساهل في هذا الأمر، أو الاعتماد على وعي المواطن العربي وإنه سيفرق بين من يزايد وبين من يقدم الدعم الحقيقي.
فمهما قدمت الدول الصادقة في مواقفها من دعمٍ مادي ومعنوي فلن نرى له أثراً، لأن الإعلام الموجه هو المسيطر وهو الذي بيده أن يخفي هذا الدعم أو يشكك فيه أو يحرفه عن مساره.
ومن يعتقد أن مهمة الإعلام هي توصيل المعلومة أو التسلية والترفيه فحسب، فهو واهم، فالإعلام هو أحد أهم الأسلحة، وهو يسبق معركة السلاح ويمهد لها، وإذا لم تتم إدارته بشكلٍ سليم ليخدم مصالح الأمة، فقد ينقلب عليها ويصبح إعلاماً يبحث عن النقائص ويبرزها، ويقدم للطرف الآخر ما يحتاج إليه من أدلة حتى وإن كانت أدلة واهية لا تدعمها الحقيقة.
إن المطلوب ليس مواجهة الحملات بمثلها من إسفاف وأكاذيب، بل المطلوب تحرك إعلامي عاقل يكشف من وراء هذه الحملات وأهدافهم ويكشف سيرتهم ويعري مواقفهم الحالية والسابقة التي لو وجد لها من يكشفها على مستوى الإعلام لما صمدت تلك الدول واستمرت في تزويرها الحقائق.
إن من المؤسف أن يزايد على المملكة ومصر من يده ملطخة بدم الفلسطينيين، ومن قواته تحرس حدوده مع العدو الإسرائيلي حتى لا تنطلق رصاصة ولو من باب الخطأ، ومن ولاؤه لدولة لها أطماع في المنطقة ولديها الاستعداد أن تدفع المنطقة العربية إلى الدمار طالما أن هذا يحقق أهدافها.
