ما تم اعتماده من مشاريع خلال السنوات البسيطة الماضية يفوق أي اعتقاد أو تصور, حتى إن أقل الناس تفاؤلا وأكثرهم تشاؤما كان سعيداً بهذا العدد من المشاريع كما ونوعا, حيث ركزت على ما يفيد الإنسان وينمي المكان بين مشاريع صحية وتعليمية عامة وعالية وغيرها كثير من المشاريع ذات البعد التنموي المؤكد على التنمية المتوازنة بين مناطق المملكة وداخل كل منطقة, فاعتماد الجامعات ثم مشاريعها والمدن الصناعية والتجارية ومشاريعها وانتشار المدن الطبية العامة والمتخصصة جميعها وغيرها, تؤكد حرص خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ـ حفظه الله ـ على نشر خير التنمية على كامل رقعة المملكة واستغلال واستثمار كل ريال بما يخدم المواطن البسيط في قريته. وحقيقة من كان يصدق أن يأتي الوقت الذي تختفي فيه مشكلة عدم القبول في الجامعات, والعارفون بهذا الأمر يعلمون ماذا أقصد بذلك.
ميزانية عام 1429هـ فاقت كل التصورات وقيل إنها أعلى ميزانية تشهدها السعودية ثم جاءت ميزانية عام 1430هـ لتؤكد كسر الرقم القياسي, وزارة المالية يقال إنها تعرقل المشاريع وهاهي تضيف أكثر من 100 مليار ريال زيادة على ميزانية عام 1429هـ لتنفيذ ما صدر من توجيهات كريمة بعد ميزانية عام 1429هـ, بل إن وزارة المالية تبدأ في تنفيذ مشاريع حيوية ومهمة قبل اعتمادها بشكلها النهائي.
هذه المقدمة وإن طالت إلا أنها مدخل مهم لما يعيشه المواطن من شعور بالإحباط نتيجة عدم تنفيذ المشاريع المعتمدة في الميزانيات السابقة, ولهذا يكرر البعض أن الميزانية ما هي إلا أرقام لا تعكس الخير المرجو منها, هذا الإحساس المسموع من المواطنين يجعلنا جميعا نطرح تساؤلا مشروعا ونظاميا وطنيا, أين المشاريع المطلوب تنفيذها؟ ولماذا أغلبها في مراحل العظم, كما يسميها المقاولون, منذ سنوات وإما أنها مسورة واسم المشروع على الموقع ولا حياة لمن تنادي؟
مشاريعنا يقال إنها تمر بمراحل عديدة بعيدة عن تنفيذها ومن ذلك ما يقال إنها تنتقل من المقاول الرئيس إلى مقاول من الباطن بتكلفة تقل عن نصف التكلفة الحقيقية, ومقاول الباطن هذا ينقلها إلى باطن ثم باطن ثم تتحول إلى ما سميته الباطل أي أن المشروع لا ينفذ أو أنه يحتاج إلى إعادة ترميم أو إزالة بعد تنفيذه وقبل استعماله لأن مقاول الباطل هذا نفذ المشروع بما لا يزيد على 10 في المائة من قيمة المشروع، أي من دون أساسات أو عزل أو تسليم وإنما قليل من البلك المضروب على أرض هشة.
يقال إن بعض المقاولين الأساسيين " أي الكبار" يأخذون مقدم المشاريع ثم ينقلونها لسوق الأسهم للمضاربة, أو أنهم يأخذونها ويستثمرونها في العقار سواء داخل المملكة أو خارجها , حتى إن أحد هؤلاء المقاولين يقال إنه يستثمر تلك الأموال في إحدى الدول العربية في مشاريع عقارية عملاقة وعندما قيل له وكيف ستنفذ مشاريعك في السعودية قال سنحتج بارتفاع الأسعار مرة وبالفيز مرة أخرى, والإخوة السعوديون وسيعو بال ما حينا لوا إلا بعد عدة سنوات لأن أنظمتهم الإدارية والمالية لا تسمح بسحب المشروع إلا بعد إجراءات معقدة يفضل المسؤولون عن تلك المشاريع عدم الدخول فيها وتحملنا كمقاولين. يقال إن تأخر المشاريع جاء نتيجة أن بعض المسؤولين من الصغار والكبار شركاء في بعض شركات المقاولات وبناء عليه لا أحد يستطيع أن يسأل أصحابها عن أسباب التأخير أو عدم التنفيذ أو ... أو, حتى إن أحد المقاولين يقال إنه يدفع أكثر من 50 في المائة من قيمة المشروع هدايا وترضيات من أجل أخذ المشروع المضمون بعد ذلك ينفذه بأقل من 10 في المائة من قيمته, وبهذا يحقق أرباحا تزيد على 30 في المائة.
مشاريعنا يقال إنها تتعثر ولا يتم تنفيذها أو أغلبها, خصوصا المشاريع الحيوية في أطراف المناطق وفي المواقع البعيدة عن المراقبة, والأسباب عديدة, كما ذكرت ويذكر غيري كثير, وواقع الحال يؤكد ذلك, ومهما كانت الأسباب الصحيحة منها وغير الصحيحة فإننا جميعا نخسر, الوطن يخسر لأن الأموال التي تهدر لا تعود, والمواطن يخسر لأنه في أمس الحاجة إلى تلك المشاريع للاستفادة من خدماتها المباشرة وغير المباشرة .
اسمحوا لي أن أنهى هذا المقال بمجموعة من الأسئلة دون تقديم الإجابة أو الحل:
هل صحيح ما يقال إن مشاريعنا يقتلها مقاولو الباطل ومراقب الباطل وشركاء الباطل أم أن ما يقال هو تجن على الجميع, المسؤول والمقاول والمشروع والوطن؟
هل صحيح أن ذلك يحدث ونحن نعلم ولا نملك القدرة على التغيير والمحاسبة؟
هل أجهزتنا الرقابية المسؤولة تعلم عما يقال ولم تتأكد من صحته وإن تأكدت ماذا عملت للقضاء عليه؟
هل إذا علمنا وتأكدنا نملك القدرة على التغيير وحماية الوطن من مسؤولي ومقاولي الباطل؟
الأسئلة عديدة والإجابات غائبة وأنا في انتظار ما تجود به قريحتكم من إجابات ربما تساعدنا جميعا على تصحيح الوضع ووضع النقاط على الحروف وإصلاح ما يمكن إصلاحه في جعل هذا الوطن الحبيب في مصاف الدول المتقدمة!
وقفة تأمل :
صن حر وجهك لا تهتك غلالته *** فكل حر لحر الوجه صوان
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم *** فطالما استعبد الإنسان إحسان
واشدد يديك بحبل الله معتصما *** فإنه الركن إن خانتك أركان
دع التكاسل في الخيرات تطلبها *** فليس يسعد بالخيرات كسلان
حسب الفتى عقله خلا يعاشره *** إذا تحاماه إخوان خلان
إذا نبا بكريم موطن فله *** وراءه في بسيط الأرض أوطان
لا تحسبن سرورا دائما أبدا *** من سره زمن ساءته أزمان
