الأربعاء, 12 أغسطس 2026|27 صَفَر 1448
الاقتصادية

ما يحدث في غزة منكر بواح، أنكره البعض في حين صمت آخرون، وفريق ثالث يحاول تصويره على أنه حق و معروف .أليس هذا العدوان تحطيم للمعايير الواضحة؟ و أليست هذه المحاباة الدولية نسبية أخلاقية ذميمة على المستوى العالمي؟ لقد كتب كاتب وصحافي كندي اسمه جيم تيلور مقالا بعنوان (الدولة الوحيدة التي لا تخطئ !) جاء فيه أنه مما يستدعي السخرية كون اعتداء إسرائيل على غزة قد بدأ في اليوم السابع أو الثامن من عيد هاناكا اليهودي. ويحتفل هذا العيد بمقاومة فئة من اليهود لملك ظالم اضطهدهم و عذبهم و منعهم من ممارسة دينهم و سلب أملاكهم و أراضيهم، وطبعا كانت هذه المقاومة دموية و لكنها مصدر فخر و قدوة تاريخية لليهود. وتساءل تيلور: لماذا يُمَجَّد اليهود على مقاومتهم للظلم في حين يُدان الفلسطينون على الشيء ذاته؟

هذه هي الأخلاقيات المطاطية، وهذا ما يحدث حين تمسي مصالح الإنسان وأهواؤه وانحرافه مقياسا، فيضرب بعرض الحائط أي معايير وقيم إنسانية ويقول كما قالت وزيرة خارجية إسرائيل ردا على قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار: (إن إسرائيل تتصرف بمعيار حساباتها ومصالحها فقط)، ثم هذه نتيجة تخاذل العالم عن إنكار المنكر و تغييره: أطفال و نساء و شيوخ يُبادون، و عالم يناقش من المخطئ و من المصيب. ولكن يبدو أن جرائم بني صهيون في غزة أيقظت العالم من سباته و وضحت المعايير في أذهان الكثيرين وكما أخبرنا ربنا عز و جل :(وعسى أن تكرهوا شيئا و هو خير لكم).

إذن فإن (مرونة) المعايير كارثية في نتائجها، ومن يدعي غير ذلك ما هو إلا عابث، أما المرونة الحقيقية و المطلوبة فهي التي تتيح للعقل التوسع والإبداع في التفكير في المشكلات و حلها، وهذا هو بالضبط ما نفتقر إليه في فهمنا و تطبيقنا (أو رفض بعضنا) للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.فكثيرة هي الأخطاء التي ارتُكبت بسبب هذا الخلل، فمنا من يفهم أن الأمر و النهي هو محض إبراء للذمة لا يقتضي تفكرا ولا وزنا للمصالح و المفاسد ولا حتى يتطلب منه حُسن خُلُق، ثم يندهش من عدم استجابة الناس له.وآخر يظن أن المنكر يقتصر على القضايا التي تخص النساء و الرجال و تعاملاتهم ولا يخطر له أن هناك منكرات أخرى لا تجد من يحاربها مثل الفساد الإداري و الغش التجاري و ظلم الضعفاء، وغيرها كثير.ثم يأتي صاحبه فيحتقر من يرتكب المنكر و يعييره و يشهر به و كأنه ما سمع قول نبينا عليه الصلاة و السلام للصحابة حين رآهم يُعَنفون الذي ارتكب كبيرة من الكبائر: (لا تعينوا الشيطان على أخيكم)، ويكسب بذلك إثم الإنسان الذي تأخذه العزة بالإثم.أو ذلك الذي يرى المنكر مسألة آراء و ميول شخصية ولا يفرق بين منكر واضح ثابت و بين ما اختلف فيه الفقهاء و العلماء الحُجج من عهود قديمة . وكل هؤلاء وقعوا في خطأ جوهري : اعتقدوا أن الهدف من الأمر و النهي هو تخليص النفس من المسؤولية الخُلُقية و المعنوية فقط، ونسوا أن القصد الأهم و الأعظم هو الرغبة في نفع الناس والرحمة بهم و الشفقة عليهم من الهلاك، ولا تُترجم هذه الدوافع إلا من خلال العمل الفعلي المستنير وليس العشوائي و الانفعالي - كلُ حسب قدرته و مواهبه - على الإصلاح و التغيير وهو ما يقتضي رؤية شاملة و فهم للعصر و علم بطبائع الناس وتربية للنفس. وإلا فما فائدة أن يسب الأب ابنه و يضربه إذا رآه يدخن مثلا؟هل يعتقد أنه بذلك يمنعه أو يقنعه؟ وهل ينتظر غير النتيجة المعتادة : أن يمتنع الابن من التدخين إذا خاف اكتشاف أبيه له، وأن يقفز للسيجارة إذا أمن العقاب؟

فلا بد من إعادة النظر في أساليب الوصول للناس و في قدر الحلم و طول البال الذي يحتاج إليه الآمر والناهي أيا كان موقعه حتى لا يتوهم أنه سيرى النتائج من أول أو ثاني أو حتى ثالث محاولة، فلم يحدث هذا مع أعظم الخلق عليه الصلاة و السلام وبالتأكيد لن يحدث مع أيٍ منا.أما إن تخلى الراغب في الإصلاح عن هذه القواعد ،فقد قتل الهدف قبل أن يصل إليه، بل حسِب نفسه من المحسنين صنعا و هو في الحقيقة ينفر الناس و يضطرهم لأن (ينفضوا من حوله( أو من حول ما يدعو إليه وهو الأدهى و الأمر، ويالها من مسؤولية!

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية