الأربعاء, 12 أغسطس 2026|27 صَفَر 1448
الاقتصادية

في زمن مضى كان بعض الثوريين يرفع شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة".

وتحت هذا الشعار عانت شعوب تلك الدول الفقر والجوع والمرض وتأخرت عن غيرها قروناً، وكان هذا الشعار يرفع كمخدر يستخدم عند الحاجة، فلا معركة علت ولا تنمية تحققت ولا شعوب نالت ما تستحقه من حياة كريمة.

كان ذلك في زمن مضى.. أما في زمننا الحاضر فالصوت للقنوات الفضائية، فهي التي تصنع البطولة وتلغيها، وهي التي ترفع أمماً، وتضع أخرى، وهي التي توزع الصفات فتمنح من يتبع أو يدفع، وتحارب من يمتنع.

وبعض هذه القنوات تتفنن في القيام بدورها بشكل عجيب، ولديها قدرة على الخلط بين الحق والباطل، فهي مع المظلوم وضده، ترى أن لا حقيقة إلا ما تبرزه، ولا عدو إلا ما تحدده.

وهي تدفع المواطن العربي لينقم على شعوب وقيادات عربية بعينها، ثم تعرض ما يبرئ العدو الإسرائيلي من جرائمه، فهدفها ليس البحث عن الحقيقة، أو تنوير المواطن العربي، أو وحدة الصف العربي تجاه عدو غاشم واحد، بل هي لبث الفرقة وإثارة الشعوب وتصفية الحسابات.

في هذه القنوات ترى العجب العجاب، تنقل صراخ القتيل وآلامه، ثم تنقل تبريرات القاتل وأسبابه، فهي تريد أن تمسك العصا من المنتصف، فترضي الشعوب المضطهدة وتثيرها حتى توصف أنها قناة تهتم بآلام المستضعفين، ثم تبرز وجهة نظر المعتدي وتبريره لأعماله حتى لا تقطع خط الاتصال معه.

في العدوان الإسرائيلي على أرض غزة الصامدة والذي استخدمت فيه إسرائيل أبشع وسائل القتل والدمار مع شعب أعزل محاصر، نرى نماذج من هذه القنوات ونماذج من المتاجرين بآلام الناس.

نرى قناة تخصص جزءاً من برامجها للحديث عن آلام الشعب الفلسطيني وما يجري من قتل بدم بارد له وتبالغ في عرض الصورة لتثير الناس، كما تعرض آراء بعض المحللين الموجهة ضد دول وزعماء عرب بعينهم، ثم تستقبل اتصالات المشاهدين فتسمع هجوماً غريباً على بعض الزعماء العرب وتحميلهم مسؤولية ما يحدث، ثم تنقل تصريحات زعيم حزب من مخبئة ليعدد لنا من أرعبتهم الصواريخ ليصل إلى نتيجة أن هذه الصواريخ دفعت أكثر من 600 ألف إسرائيلي للاختباء في الملاجئ، ثم تنتقل القناة إلى تل أبيب لتنقل تبريرات المسؤولين الإسرائيليين، أن إسرائيل لا تقبل أن يُقتل شعبُها بالصواريخ، وكأنها تقول إن إسرائيل محقة في عدوانها على غزة وأهلها، ثم تعرض صور مظاهرات ومهرجانات تم ترتيبها، كما تعرض أمسيات شعرية لنصرة أهل غزة لا يتورع الجمهور فيها عن مطالبة الشعراء بشعر غزلي اعتادوا سماعه من هؤلاء الشعراء.

ونرى قنوات أخرى هدفها الوحيد تحميل دولٍ عربية بعينها مسؤولية ما يحدث للشعب الفلسطيني من مآس، وتبث في سبيل ذلك الأكاذيب كما ترتب للقاءات واتصالات تصب في هذا الاتجاه، وتنسى أن هناك شعباً يتعرض للقتل والدمار، لا يمكن أن ينقذه من وضعه تصفية الحسابات وتشتيت الجهود وتوزيع الاتهامات.

فهل هناك أمة منكوبة بإعلامها كالأمة العربية؟.. إما إعلام أغلبه تخصص في عرض كل ما فيه إسفاف، وإما إعلام يتاجر بآلام الأمة وقضاياها.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية