الثلاثاء, 11 أغسطس 2026|26 صَفَر 1448
الاقتصادية

كنت قد أشرت في مقال سابق بعنوان "عاطفة تركية أم تبعية تاريخية"، إلى أن تركيا حكمت العالم الإسلامي نحو 500 سنة تحت مظلة الخلافة الإسلامية, ووصل نفوذها إلى مناطق عديدة في أوروبا عند حدود النمسا والمجر، وسيطرت على اليونان, صربيا, ألبانيا, بلغاريا, شمال البحر الأسود, جورجيا, داغستان, محيط القوقاز, وأذربيجان وجميع الأراضي الواقعة ما بين البحرين الأسود والأبيض المتوسط, وشمل العراق, مصر, الشام, تركيا الحالية, الخليج وأجزاء من الجزيرة العربية, اليمن, والمغرب العربي. وهذا الذي يجعل رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان يوجه هجوماً غاضباً للحكومة الإسرائيلية على مذابحها في غزة، ويتحدث دون تحفظ، وكما قالت وزيرة الخارجية الإسرائيلية ليفني إن أردوغان لم يتحل بالدبلوماسية. وفي البرلمان التركي شن أردوغان هجوماً عنيفاً على إسرائيل، وقال أنا أتحدث بصفتي رئيس وزراء تركيا وهي الوريثة للدولة العثمانية.

هذا الموقف القوي ضد إسرائيل، الذي أغضب أمريكا وأوروبا، وحتى بعض الأوساط في تركيا، ينطلق من الإرث العثماني الذي تتكئ عليه تركيا، التي لا تسمح أن تكون إسرائيل جندي الشرق الأوسط القوي، وأن تبطش وتعاقب الفلسطينيين وتقتل الأطفال والنساء والشيوخ وتهدم المساجد والمدارس على العائلات دون أن تتحرك المشاعر العربية والإسلامية.

أردوغان جاء ليذكر العالم الاستعماري أمريكا وأوروبا، وتحديداً جماعة سايكس ــ بيكو ووعد بلفور وأحفاد روما وبيزنطة الذين قسموا العالم العربي إلى شطائر جبنة مثلثات ومربعات ومطاردة تركيا في كل جيب من جيوب العالم الإسلامي بصفتها "الرجل المريض"، جاء أردوغان ليعيد للذاكرة الغربية ولمن فقد الذاكرة أن الأرض العربية وشعوبها في يوم من الأيام جزء من الخلافة العثمانية الإسلامية، وأن الخلافة العثمانية هي امتداد لخلافة سابقة الخلافة الراشدة في المدينة المنورة، والخلافة الأموية في دمشق وفي الأندلس في إسبانيا، والخلافة العباسية في العراق، والخلافة المملوكية في القاهرة، والخلافة العثمانية في إسطنبول.

وإذا كانت أوروبا قد توحدت بعد الحرب العالمية الثانية تحت مظلة الاتحاد الأوروبي في الربع الأخير من القرن الـ 20 الميلادي، فإن العرب أقدم الاتحادات في العالم، وأن الخلافة الإسلامية أقدم اتحاد أممي وجغرافي وسياسي وثقافي في العالم الذي تشكل في القرن السابع الميلادي. وأن إسرائيل أو الغرب لا يستطيع أن يقصي تركيا من أحداث الشرق الأوسط، وهي ــ أي تركيا ــ وريثة الدولة العثمانية، التي كانت بعض دول ومناطق في أوروبا جزءاً من الخلافة الإسلامية تتبع لعاصمتها إسطنبول، وأن اليهود عاشوا طوال تاريخهم جاليات صغيرة في مدن الخلافة العثمانية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية