الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 9 يونيو 2026 | 23 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

مقومات نجاح العمل التطوعي في السعودية

طلعت زكي حافظ
الخميس 8 يناير 2009 2:34

صادف الخامس من كانون الأول (ديسمبر)، احتفال العالم باليوم العالمي للعمل التطوعي، الذي تم اعتماده من قبل الأمم المتحدة في عام 1997, بغرض تكريم العمل التطوعـي والمتطوعين ودعم دورهم في التنمية الشاملة في المجتمعات لتحقيق أهداف الألفية الثالثة الإنمائية، وكذلك بهدف ترسيخ مفاهيم العمل التطوعي لدى أفراد المجتمع ومؤسساته العامة والخاصة، إضافة إلى تحفيز مشاركة المجتمع لإيجاد سياسات تشجع على التوسع في الأنشطة والأعمال التطوعية.

الجدير بالذكر أن البعض يربط بين العمل التطوعي وبين ما يعرف بمفهـوم المسؤوليـة الاجتماعيـة للمؤسسـات الخاصـة Social Responsibility، أو ما يعرف كذلك بمفهوم مسؤولية الشركات تجاه مجتمعاتها Corporate Social Responsibility - CSR، باعتبار أن المسؤولية الاجتماعية يندرج تحتها عديد من الأعمال الخيرية، التي لا تستهدف الربح، إنما تعمل على تذكير المنشآت الخاصة بمسؤولياتها الاجتماعية والأخلاقية تجاه أفراد المجتمع والبيئة التي تعمل بها، ومن هذا المنطلق فإن البعض يرى كون أن المؤسسات والشركات التجارية تقام في الأساس من أجل المجتمع، وتستمد استمرارها من منه من خلال استهلاك أفراده لما تنتجه وتبيعه وتسوقه من سلع وخدمات، فبالتالي هذا يحتم عليها القيام بدورها وبمسؤوليتها الاجتماعية تجاه المجتمع.

بالنسبة لوضع العمل الخيري والتطوعي، بما في ذلك الاجتماعي في السعودية، فقد بدأت انطلاقته غير المنظمة منذ وقت مبكر جداً بأشكال وصور متعددة، من منطلق إيمان أفراد المجتمع السعودي، أنه جزء مهم لا يتجزأ من ثقافة المجتمع وتقاليده المستمدة من أحكام الشريعة الإسلامية، هذا وقد بدأ العمل التطوعي، يأخذ شكله المنظم بعد توحيد المغفور له ـ بإذن الله تعالي ـ الملك عبد العزيز للمملكة، حينما أنشئت جمعية الإسعاف الخيري في مكة المكرمة في عام 1354هـ، التي انحصرت خدماتها آنذاك في تقديم الخدمات الإسعافية في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، ومدينة جدة، وبعد ذلك توالت مراحل التطوير للعمل الاجتماعي في السعودية، بإنشاء وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في عام 1380هـ، لتصبح من بين مسؤولياتها العناية بأعمال الرعاية الاجتماعية والإشراف على متابعتها، وفي عام 1382هـ أصدرت الوزارة اللوائح المنظمة للعمل التطوعي الخيري في المملكة.

الغرفة التجارية الصناعية في الرياض وعلى مدى خمسة عقود تقريباً، أسهمت بشكل كبير وملحوظ في تطوير آليات العمل التطوعي في السعودية، وبالذات خلال الفترة الأخيرة، حيث قد تمكنت من إحداث نقلة نوعية غير مسبوقة في مجال المسؤولية الاجتماعية، بتنظيم الملتقى الأول للمسؤولية الاجتماعية برعاية الأمير سلطان بن عبد العزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع والطيران والمفتش العام، الذي تمخضت عنه عديد من التوصيات المهمة لتفعيل العمل التطوعي والمسؤولية الاجتماعية في السعودية، هذا وقد تبنت إدارة خدمة المجتمع في الغرفة المذكورة، تفعيل تلك التوصيات، بوضع استراتجيات تستهدف تبني مفهوم المسؤولية الاجتماعية في مؤسسات القطاع الخاص، ونقل تجارب المسؤولية الاجتماعية، فيما بينها، وابتكار البرامج والأساليب والآليات الجديدة في مجال خدمة المجتمع، بما في ذلك تقديم الخدمات الاستشارية في مجال المسؤولية الاجتماعية للراغبين في ذلك. هذا وتجدر الإشارة إلى أنه سيتم تحقيق تلك الأهداف من خلال استخدام عديد من الوسائل والآليات والأدوات، التي من بينها على سبيل المثال لا الحصر، مجلس المسؤولية الاجتماعية في الرياض، الذي تم استحداثه أخيراً بهدف تقديم المشورة المرتبطة بالمسؤولية الاجتماعية في المجالات المختلفة، بما في ذلك إيجاد المعايير والأنظمة المحلية الخاصة بدعم تطبيق برامج المسؤولية الاجتماعية.

على الرغم من الجهود الكبيرة التي تبذل في السعودية للارتقاء بأداء العمل التطوعي والمسؤولية الاجتماعية، إلا أنه لا يزال هناك مجال كبير للتطوير والتحسين، ولا سيما أن العمل التطوعي في السعودية، لا يزال يخضع للاجتهادات وللمبادرات الفردية والشخصية، كما أن العمل التطوعي والخيري والاجتماعي في المملكة، لا يزال محصوراً وحكراً على أنشطة معينة ومحدودة للغاية دون أخرى، مثال بناء المساجد، ورعاية المعوقين والأيتام، بينما لا تزال هناك مجالات أخرى عديدة لم تنل حظها من العناية والاهتمام الاجتماعي المطلوب، مثال رعاية الأرامل، ورعاية المسنين، ومشاريع المحافظة على البيئة، ورعاية المطلقات، ورعاية العاطلين عن العمل اجتماعيا، ومكافحة التدخين، وإسكان الفقراء ومحدودي الدخل، وكذلك رعاية الأبحاث والدراسات العلمية والتقنية.

من هذا المنطلق وبهدف تعزيز قدرات العمل التطوعي في المملكة، فإن الحاجة أصبحت ملحة لتنتظم العمل التطوعي في المملكة، حيث يأخذ الطابع المؤسساتي وليس الطابع الفردي، الذي غالبا ما يعتمد، وكما أسلفت على المبادرات والاجتهادات الشخصية، كما أن الأمر يستلزم ترسيخ أصول وقواعد العمل التطوعي لدي جميع أفراد المجتمع بمختلف فئاتهم وطبقاتهم وشرائحهم، بما في ذلك فئاتهم العمرية، ليشمل ذلك الأطفال في المدارس والشباب في الجامعات، والأسر الميسورة الحال، للقيام بتنفيذ أعمال تطوعية تمتد على مدار العام، وبرمجتها بشكل منظم ومنتظم يخدم تحقيق أهداف العمل التطوعي. ولعلى أقترح كذلك في هذا الخصوص تبني المحاكم السعودية، بما في ذلك المدارس والجامعات السعودية، لفكرة فرض نظام العمل التطوعي على المخالفين للأنظمة وللقوانين المحلية، كنوع من أنواع العقاب الجيد الذي يخدم المخالف والمجتمع على حد سواء.

خلاصة القول، إن نجاح العمل التطوعي في المملكة، يتطلب تأصيل ثقافة العمل التطوعي لدي جميع أفراد المجتمع بمختلف شرائحهم وطبقاتهم ومستوياتهم وفئاتهم العمرية، من خلال استخدام وسائل وآليات التعليم المختلفة، بما في ذلك وسائل الإعلام المرئي والمسموع والمقروء، في رأيي كذلك أن نجاح العمل التطوعي في المملكة، يتطلب تحويله من عمل اجتهادي شخصي إلى عمل مؤسساتي، بغرض القضاء على الاجتهادات الفردية ومنعاً للازدواجية، التي عادة ما تسبب في انحصار العمل التطوعي والخيري والاجتماعي في مجالات ونشطات معينة ومحددة دون غيرها، ومن هذا المنطلق فإن الأمر يستلزم القيام بعمل استراتيجية موحدة Master Strategy للعمل التطوعي في المملكة، يحدد من خلالها أهداف العمل التطوعي ومجالاته وآلياته ومصادر التمويل، بالشكل الذي يعمل على الارتقاء بالأداء، ويعمل كذلك على تعزيز وتفعيل الشراكة في العمل التطوعي بين القطاعين العام والخاص وبقية أفرد المجتمع، ليتحقق عن ذلك تعميم الفائدة وشمولية النفع للجميع، والله من وراء القصد.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية