الثلاثاء, 11 أغسطس 2026|26 صَفَر 1448
الاقتصادية

احتلت الصين العناوين الرئيسة العالمية في عام 2008، بانتظام غير متوقع ، بالألعاب الأولمبية، الزلزال المأساوي في سيشوان، والعواصف الثلجية في شباط (فبراير) ومسحوق الحليب الملوث والانبعاثات القياسية لغاز الاحتباس الحراري.

وفي بداية السنة، كان الحدثان العامان الرئيسان على أجندة القيادة الألعاب الأولمبية والاحتفالات الرسمية في هذا الشهر بمرور 30 عاما على ما يسمى جيج كايفانج أو "الإصلاح والانفتاح"، وهذا يشير إلى تحول في السياسة بعد سنتين من وفاة ماوتسي تونج، الذي وضع جمهورية الصين الشعبية على طريق الإصلاح المحلي وبشكل خاص – الإيجاد التدريجي لاقتصاد السوق والانخراط من جديد في الاقتصاد العالمي بعد العزلة التي فرضتها سنوات ماو.

ومنذ ذلك الحين، لعبت التدفقات الكبيرة من الاستثمارات الأجنبية والتكنولوجيا، من الولايات المتحدة وأوروبا واليابان وهونج كونج والصينيين في الخارج، دورا مهما في النمو الاقتصادي المذهل الذي شهدته السنوات الأخيرة.

لكن الأصوات المنشقة في الصين تشير إلى فوارق متزايدة في الدخل، أو التكلفة البيئية المأساوية لهذا النمو، ويقول آخرون إن الصين تعتمد كثيرا جدا على الاقتصاد العالمي وإنه يتوجب بذل المزيد لتشجيع الإبداع المحلي والقدرة على المناقشة، وهي آراء يحتمل أن يعززها بصورة أكبر، الأثر الجلي بشكل متزايد في الاقتصاد الصيني، للاضطراب المالي العالمي الحالي.

وفي الذكرى السنوية الـ 30 للإصلاح والانفتاح يجدر التساؤل حول آفاق انفتاح الاقتصاد الصيني.

ومنذ تسعينيات القرن الماضي أصبحت الصين جزءا لا يتجزأ من العولمة الاقتصادية بصورة متزايدة، وهذه العلاقة الوثيقة بين تنمية الصين والاقتصاد العالمي تعمل كحافز للانفتاح المستمر حين تكون الأوقات جيدة لكنها قد تؤدي إلى ضغط من أجل المزيد من تنمية مستقلة حين يثير تأثير أحداث مثل التسونامي المالي الحالي تساؤلات حول ما إذا كان الاقتصاد الصيني مغاليا في الانفتاح، لكن من الواضح أنه لا توجد أي أصوات خطيرة تدفع لإغلاق الاقتصاد الصيني أمام العالم، فالقضية هنا تتعلق بالمدى فقط.

وعلى صعيد اقتصادي، فإن الصين حاليا تختلف كثيرا عما كانت عليه قبل 30 عاما، ففي ضوء اعتمادها الشديد على الصادرات، إضافة إلى استثمارات أصول ثابتة لنموها، فإن الصين هي الآن من بين أكثر الاقتصادات انفتاحا على صعيد دولي، حين تساوي التجارة نحو 70 في المائة من إجمالي الناتج المحلي (وهي نسبة أكبر من اليابان والولايات المتحدة) ، ويواصل الاستثمار الأجنبي الارتفاع وهو يبلغ عشرة أضعاف ما تحظى به الهند، فرأس المال وفير، والتكنولوجيا تشهد تحسنا جوهريا، مع أن الصين لا تزال تسعى إلى استيراد التكنولوجيا في مجالات رئيسة مثل الصناعات البيئية والعالية التقنية، وهي ترغب في تطوير تكنولوجيا أكثر تخصها.

ودخول الصين الشعبية في منظمة التجارة العالمية عام 2001، أخذ انفتاح الاقتصاد إلى مستوى غير مسبوق وجعل بيئة السوق طويلة الأجل أكثر استقرارا وقابلية للتكهن بها، بالنسبة للشركات الأجنبية والمحلية على حدّ سواء. لكنه أيضا أدى إلى تسوية الساحة التنظيمية بين الشركات المحلية والأجنبية وأزال بعض المزايا الرئيسة التي اعتادت الشركات الأجنبية على التمتع بها، الأمر الذي خلفه الانطباع ببيئة أشد بالنسبة للشركات الأجنبية .

وأصبحت قضية انفتاح الصين جزءاً من دبلوماسيتها الأوسع مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي اللذين ضغطا من أجل انفتاح أكبر، ومع اللاعبين العالميين الآخرين الذين تعزز الصين علاقاتها معهم، لتحسين إمكانية وصولها إلى السلع على سبيل المثال.

والأزمة المالية الحالية، بجذورها في الولايات المتحدة وأجزاء من أوروبا الشمالية ، يجب أن تحفز التنوع التجاري الصيني المستمر، وبتشجيع حكومي فإن المشاريع الصينية الكبيرة تتطلع إلى "الانطلاق إلى الخارج" أو الاستثمار في الخارج، وهو اتجاه يتطلب بحدّ ذاته انفتاحا مستمرا على الاقتصاد العالمي، إضافة إلى تقبل سياسي لدور اقتصادي عالمي متزايد تقوم به الصين.

وهناك ، في الصين عوامل إقليمية لها دور أيضا، فحجم وتنوع الاقتصاد الصيني يعنيان أن الأقاليم الداخلية والمدن السريعة النمو مثل تشو نجكنج تحتضن الاستثمارات الأجنبية بالطريقة التي عملت بها شنغهاي قبل عشر سنوات، وهذا يترك عددا كبيرا من الخيارات أمام التجارة والاستثمارات أمام الشركات الدولية المستعدة للخروج من المسار المطروق للعثور عليها.

وسيكون للسياسات المحلية أيضا أثر في آراء السلطات إزاء الانفتاح الاقتصادي، وهذا يشمل الزيادة فيما يسمى بـ "الوطنية الاقتصادية" – شوهدت الرغبة في حماية ورعاية الأبطال الوطنيين في الاستجابات العامة للمحاولة الأخيرة من قبل كوكاكولا للاستحواذ على أكبر شركة محلية منتجة للفواكه في الصين، وهي شركة هويوان.

وفي الوقت ذاته فإن الشركات المحلية- سواء كانت مملوكة للدولة أو القطاع الخاص – تحظى بنفوذ سياسي محلي متزايد.

وماذا عن أثر الأزمة المالية؟ يبدو أنه كما لو أن هذه الأزمة توحي لقيادة الصين أن عليها ألا تكون مرتبطة اقتصاديا بشكل مفرط بالولايات المتحدة في المستقبل، وإن كانت الصين في حاجة إلى حل مبكر للمشكلات الحالية وتكون حريصة على عدم زيادة هذه المشكلات بإغراق المركب، وفي الوقت المناسب، سيكون أقل احتمالا أن تتبنى بكين نموذج الولايات المتحدة الليبرالي الجديد (السابق)، كما كانت الحكومة والشركات الأمريكية تلحّ عليه لبعض الوقت.

وسيكون هناك نتيجة أبعد مدى وهي تعزيز هدف صيني أوسع على صعيد السياسة الخارجية وهو ظهور عالم متعدد الأقطاب، وفي هذه الحالة: في المجالات الاقتصادية والمالية.

إن دور الصين الاقتصادي الدولي المهم، مقترناً بأثر الدخول في منظمة التجارة العالمية والأثر المتراكم للإصلاحات خلال العقود الماضية، ربما يعني أن الاتجاه الرئيس خلال السنوات الخمس المقبلة سيكون في قيام الصين، بصورة متزايدة ، بتمثيل أسواق أخرى قائمة.

وعموما فإن الطريقة الحذرة واللاإرادية التي تأخذ بها قيادة الصين ستجعل تغيرات السياسة المتطرفة أمرا غير محتمل وبالتالي ينبغي الحفاظ على الانفتاح الاقتصادي في الصين، لكن القوة المتزايدة للشركات الصينية ستسهم في بيئة أكثر تنافسية بالنسبة للشركات الأجنبية، وقد تؤدي الضغوط السياسية والاقتصادية المحلية إلى بعض التشدد الطفيف، وخصوصا في القطاعات الاستراتيجية.

وفي ضوء التنازلات التي قدمت للدخول في منظمة التجارة العالمية فإن من غير المحتمل أن يحدث انفتاح جوهري آخر، فقد يكون انفتاح الاقتصاد الصيني قد وصل إلى ذروته بالفعل.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية