جرائم إسرائيل ليست أمراً جديداً حتى تكون مثار استغراب من البعض، فهي بدأت من قبل قيام دولة إسرائيل، عن طريق المنظمات الصهيونية التي مهدت لقيام إسرائيل عبر تنفيذ عديد من المذابح بحق الشعب الفلسطيني، ثم قامت إسرائيل بتنفيذ مذبحة دير ياسين واتبعتها بعديد من الجرائم مستخدمة أسلحة فتاكة ومحرمة دوليا، ومنها قنابل النابلم التي رسخت في ذهن المواطن العربي كدليل على بشاعة الاحتلال الإسرائيلي لأرض فلسطين ودمويته.
وخطورة الوضع على الساحة الفلسطينية اليوم لا يتمثل بالعدوان الإسرائيلي وممارسة القتل العشوائي الذي يهدف إلى قتل أكبر عددٍ ممكن من أبناء الشعب الفلسطيني فحسب، بل يتمثل في الانشقاق الفلسطيني الذي سهل على العدو الإسرائيلي القيام بجرائمه في وقت انشغل فيه الفلسطينيون بصراعاتهم على السلطة، ثم استسلام بعض القيادات الفلسطينية لأطراف إقليمية، عربية وغير عربية تريد استخدام القضية الفلسطينية ورقة تلعب بها في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة لترتيب الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، أو في مفاوضات مباشرة تخطط لها مع إسرائيل.
وما يثير الدهشة هو ما سبق هذه المذبحة من تحركات مرتب لها سلفاً، من مظاهرات وتصريحات تتضمن هجوماً على دول عربية تقف في وجه هذه المخططات، ثم الزج بالفلسطينيين في صراع هذا المعسكر مع الدول العربية الأخرى التي تدرك أبعاد هذه المخططات وخطورتها على الأمة العربية وقضاياها.
إن ما يجري من استغلال ومزايدة على ما يحدث في غزة بدلاً من تقديم الدعم الفعلي لأبناء الشعب الفلسطيني، يكشف مدى تعقيد الوضع الفلسطيني، ويكشف أن هناك أطرافاً كانت تنتظر هذه الجريمة لتوجه الرأي العام ليس إلى من ارتكب الجريمة، وإنما إلى دول عربية ذنبها الوحيد أنها لم تصطف خلف من يحاول استغلال القضية الفلسطينية لمصالحه.
ولهذا نرى هذه الدول تسخر إعلامها وتنظم المظاهرات التي تحمل لافتات تهاجم دولاً عربية عُرفت بمواقفها الداعمة للقضية الفلسطينية على مدى العقود الماضية، وهي دول ليست بحاجة إلى استخدام القضية الفلسطينية ستاراً يخفي أهدافها الأخرى.
ومن المؤسف أن الإعلام الموجه يصنع قناعات غالبية المواطنين العرب، فيتحول من هو حريص على الشعب الفلسطيني إلى متخاذل أو متواطئ، ويصبح من يزايد على قضيتهم بطلاً، وإن كانت جبهته مع العدو هي الأكثر هدوءا على مدى عقود ولم يعرف عنه مواجهة العدو بقدر ما عرف عنه قيامه بتصفية أطرافٍ فلسطينية عارضته.
فهل هناك وضع مأساوي تعانيه أمة كما تعاني الأمة العربية، تُختطف قضاياها المصيرية، ثم تُحارب بها، ويطلب منها أن تكون تابعاً لمن يحاربها بهذه القضايا، ومن يرفض سوف يوصف بأبشع الصفات، وهي صفة الخيانة .. خيانة قضيته المصيرية.
إن ما يجري على أرض غزة الصامدة أمر يحتاج إلى علاج عاجل يتمثل في إغاثة أهل غزة، وإبعاد قضيتهم عن المزايدات، والسعي الحثيث إلى إيقاف المجزرة التي ترتكبها قوات العدو الإسرائيلي بدم بارد أمام أنظار العالم، وهي مجزرة لو وجه الإعلام العربي جهده لِفضحها لكان أجدى للفلسطينيين.
