الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 9 يونيو 2026 | 23 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

نحو برنامج وطني لترشيد الاستقدام (4)

صالح محمد الجاسر
الأحد 4 يناير 2009 5:10

تعد العمالة المنزلية الحلقة الأضعف في مجال الاستقدام، حيث إنها ترتبط بأفراد، وليس شركات أو مؤسسات تجارية لديها من القوة ما يساعدها على فرض شروطها، كما أن استقدام العمالة المنزلية ناتج عن ظروف تجبر الأسرة على الاستقدام، وتدفع الأسرةُ في سبيل ذلك أموالاً طائلة قد تفوق قدراتها المادية.

وتقدر دراسة صادرة عن مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية بعنوان "آثار العمالة المنزلية على النشء والأسرة" عدد الوافدين المقيمين في المملكة حتى نهاية عام 1425هـ بمهنة سائق خاص وعاملة منزلية بـ 951 ألف سائق و444 ألف عاملة منزلية، وهذا العدد لا يتضمن من تندرج تحت مسمى مربية أو طاهية أو ممرضة.

ومن المؤسف أن العمالة المنزلية تُشكل هماً يتمثل في شروط مكاتب توريد العمالة في الدول المصدرة ومغالاتها في تكاليف عمالتها، ورضوخ مكاتب الاستقدام لهذه الشروط، وتحمل المواطن هذه التكاليف.

بل إن معاناة المواطن لا تنتهي عند مصاريف الاستقدام، بل تمتد إلى ما بعد ذلك حينما ترفض العاملة المنزلية أو السائق العمل أو يهرب أحدهما، خاصة وأن هناك عصابات تتلقف هؤلاء الهاربين وتشغلهم في أعمال مسيئة للمجتمع، وبعض هذه العصابات تبدأ ملاحقتها لهذه العمالة قبل سفرها من بلدها، عبر تزويدها بأرقام تلفونات أشخاص يساعدونهم على الهرب والعمل في هذه الأعمال، والصحف المحلية تزخر بالجرائم التي ترتكبها هذه العمالة الهاربة، والتي تصل إلى حد العمل في الدعارة وتشكيل العصابات التي تمتهن الجريمة.

ومن المؤسف أن المواطن حينما يمر به مثل هذا الوضع لا يجد نظاماً صارماً يحميه ويحاسب من تسبب في هروب عاملته أو سائقه، بل الأغرب من ذلك أن نجد هناك من يُحرِّض هؤلاء العمال على الهرب بعد أن يعدهم بما هو أفضل لهم مادياً، ولو كان هناك نظام صارم يصل إلى حد الإبعاد النهائي والمنع من الاستقدام لمن يهرب أو يحرض أو يشغل هؤلاء الهاربين لما وصل هذا الأمر إلى الظاهرة.

أما من ترفض العمل من العاملات المنزليات فالخيار الوحيد أمام المواطن إعادتها إلى مكتب الاستقدام على أمل استبدالها بواحدة أفضل، ثم يبدأ مشوار التردد على المكتب الذي يُماطل في تسليم عاملة جديدة، أو إعادة ما دفعه المواطن للمكتب، فيكون المكتب كسب من جهتين من استقدام هذه العاملة على حساب المواطن، ومن تشغيلها أو نقلها إلى مستقدم آخر في الوقت الذي ينتظر المواطن البديل.

وبسبب معاناة بعض المواطنين من العاملات المنزليات برزت للسطح تجارة رائجة تتمثل في تأجير العاملات المنزليات باليوم أو بالشهر وبرواتب عالية، والغريب أن هذه التجارة أصبحت معلنة وليست خفية رغم عدم شرعيتها، وذلك من خلال الإعلان عنها في الصحف أو عبر رسائل الجوال.

بل إن الأمر تطور إلى حد أن البعض أصبح يغالي في طلب أكثر من حاجته من العاملات المنزليات من أجل تأجيرهن على الآخرين، وهي ظاهرة في بدايتها الآن، وإذا لم تُعالج سنجد أنها أصبحت مجالاً رحباً للاستقدام.

لكن ما الحل لهذا الوضع، وهل كل الأسر التي تستقدم العمالة المنزلية بحاجة لها ولديها القدرة على تحمل مصاريفها، أم اضطرتها الظروف الاجتماعية وعدم وجود البديل لذلك.

إن المطلوب هو البحث عن بدائل تُغني من لا يرغب في الاستقدام لأي سبب من الأسباب، وتتمثل هذه البدائل في تشريع مكاتب تتولى تأجير العاملات المنزليات بشكل يومي أو أسبوعي أو شهري بدلاً من أن تجري هذه العملية بشكل عشوائي وشبه معلن.

كما أن من البدائل إيجاد مركز خدمات مساندة للأسر في كل حي، يتكون من روضة أطفال ومن مركز نقل للحي يضم حافلات نقل يحدد حجمها حسب حجم الحي وكثرة الراغبين في الاستفادة من خدماته، كما يزود هذا المركز الذي يمكن أن يُدار من قِبل مواطنين ومواطنات، بحيث يجد من لديه طفل - وزوجته عاملة ويضطر إلى استقدام سائق يقوم بتوصيل زوجته إلى عملها، أو استقدام عاملة منزلية ترعى الطفل أثناء عملها - في خدمات هذا المركز ما يُغنيه عن استقدام السائق وعن استقدام العاملة المنزلية، بحيث يرسل طفله إلى الحضانة التي تقوم بدور جليسة الأطفال، ويستفيد من خدمات حافلات النقل التابعة للمركز عبر اشتراك شهري أو سنوي، ويمكن أن يزود مركز الخدمات المساندة بمن يقوم بالصيانة البسيطة في المنازل من كهربائي وسباك، وبذلك سنسهم في الحد من العمالة التي تملأ الشوارع وتدعي أنها تتقن كل شيء.

وإذا ما تم ذلك سنجد المواطن محدود الدخل قد وفر تكاليف شراء سيارة واستقدام سائق معظم وقته دون عمل، ومهمته في الغالب إيصال الأبناء إلى المدارس وإحضارهم منها وإيصال الزوجة إلى عملها وإحضارها منه، كما سنجد بعض الأسر الصغيرة أو محدودة الدخل تتخلى عن العاملة المنزلية طالما أن هناك من يوفر لها هذه الخدمة.

وسيعزز هذا الوضع دور الأب الذي يركن إلى السائق حتى في الأمور التي تحتاج حضوره مثل مراجعة الطبيب أو المدارس وغيرها من المهمات التي أصبح البعض يسندها إلى السائق ليس لانشغاله وإنما بحثاً عن الراحة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية