على الرغم من أن ديوان المظالم أصبح قضاء إداريا صرفا وهو ما يتفق مع طبيعة مهامه القضائية والتنظيم القضائي الجديد الذي أعاد هيكلة السلطة القضائية، حيث سيقتصر اختصاصه على القضاء الإداري بشقيه التعويض والإلغاء وهذا يعني استبعاد القضاء التجاري الذي هو الميدان الواسع للتحكيم, إلا أن ديوان المظالم سحب أمانات سر التحكيم من الغرف التجارية إلى المحاكم الإدارية وحسنا فعل ذلك لأنه يتفق مع نصوص القانون الواردة في نظامي التحكيم والمرافعات الإدارية, وبالتالي, فإن تعيين أمين سر التحكيم وتقديم خدمات السكرتارية لهيئة التحكيم ومقر اجتماع أعضاء هيئة التحكيم سيكون المحاكم الإدارية في فروع ديوان المظالم في مناطق المملكة, ومن ثم, فإن الوضع السابق الذي كانت تقوم فيه الغرف التجارية بكل ذلك أصبح من الماضي ولأن هذا الوضع الجديد سيلقي بالعبء على فروع ديوان المظالم التي أصبحت محاكم إدارية, فإن سلطة القضاء في الإشراف على سير أعمال التحكيم ستكون في وضع أفضل لأن موظفي المحاكم الإدارية سيقومون بهذه المهمة.
إن حفظ أوراق قضايا التحكيم وملفاتها والوثائق والمستندات التي يقدمها الخصوم ومحاضر الجلسات وغيرها من الأوراق ومراعاة جانب السرية من عوامل نجاح مهمة هيئة التحكيم وهي من صميم عمل المحاكم ويقوم بها موظفو المحكمة تحت إشراف القضاء المختص أصلا بنظر المنازعة التي تمت إحالتها إلى التحكيم، وحيث لا يوجد مركز رسمي للتحكيم فإن انتقال مقار التحكيم إلى داخل مرفق القضاء أفضل من بقائه بعيدا عن إشرافه ورعايته ورغم ما يمكن أن يقال عن نظامية هذا الإجراء, فإنه ليس جديدا, فنظام التحكيم مضى عليه عقود وقد أدت أمانات الغرف التجارية دورها في وقت لم يكن التحكيم يحظى بارتياح أو تبني من أحد سوى الغرف التجارية التي نظرت إليه باعتباره خدمة للتجار الذين هم من منسوبي الغرف التجارية. وقد كان من المتوقع أن يقوم مركز للتحكيم ليؤدي دورا مماثلا لمراكز التحكيم في دول العالم ولكن التحكيم قضاء خاص يقبل به الأطراف وهو ما لم يتفق مع ثقافتنا الحقوقية التي وضعت التحكيم في زاوية ضيقة منعته حتى اليوم من القيام بدوره في تسوية المنازعات عموما, ومنها على وجه التحديد المنازعات التجارية.
إن التنظيم الجديد للقضاء سيؤدي إلى وجود محاكم تجارية تدخل ضمن تشكيل القضاء العادي وستكون وحدها صاحبة الصلاحية في تدقيق أحكام التحكيم التجاري وقبل ذلك الموافقة والاعتماد لوثائق التحكيم واستضافة مقر اجتماع أعضاء هيئة التحكيم في حين سيختص ديوان المظالم بالقضاء الإداري ومراجعة قرارات التحكيم غير الإداري, فإنها وحسب التنظيم الجديد يجب أن تكون تحت إشراف القضاء العادي, وهذا يتفق مع توزيع الاختصاصات بين جهتي القضاء العادي والإداري, ومن ثم, فإن نقل مقار هيئات التحكيم إلى المحاكم الإدارية وضع مؤقت أيضا وعندما توجد المحاكم التجارية, فإنها ستجد نفسها أمام كم هائل من اتفاقيات التحكيم التجاري وقرارات هيئات التحكيم التجاري, ما يتطلب التصدي لها وفق المتطلبات النظامية وإنهاء إجراءاتها.
لقد كان المؤمل أن يوجد مركز للتحكيم يشمل جميع مجالاته المتعددة ويحظى بالاستقلالية والنهائية في قراراته وتكون له الصفة الرسمية ليوفر عنصر التخصص وليخفف العبء عن المحاكم, سواء في الأعمال الإدارية أو تدقيق الأحكام ومراجعتها وهو عمل مضاعف متى أضيف إلى أعمال المحاكم التي تطلب كل يوم مزيدا من الكوادر البشرية المؤهلة والمدربة, وإذا كان التنظيم شمل السلطة القضائية, فإن التحكيم أيضا سيصله الدور, ولكن وفق سلم الأولويات التي تحكم سير أي مشروع إصلاحي وإداري.
