الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الأربعاء, 10 يونيو 2026 | 24 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

فُـلك اليورو يدور بنجاح!

خواكين ألمونيا
الجمعة 2 يناير 2009 2:28

يحتفل اليورو بالذكرى السنوية العاشرة لميلاده على خلفية المناخ الاقتصادي الأشد صعوبة منذ ظهر إلى الوجود. فقد وجدت أوروبا نفسها في مواجهة تحديات غير مسبوقة بفعل العاصفة المالية التي امتدت إليها من الولايات المتحدة وبداية التراجع الاقتصادي الحاد. وفي مواجهة أكبر اختبار في تاريخه فما زال اليورو بعيداً كل البعد عن الانزلاق إلى الكارثة، كما تنبأ رجل الاقتصاد الحائز على جائزة نوبل، ميلتون فريدمان، منذ عشرة أعوام. بل إن الأمر على العكس من ذلك، فقد برهن الاتحاد الاقتصادي والنقدي في أوروبا على كونه أصلاً على قدر عظيم من الأهمية في هذه الأوقات المضطربة العاصفة. يتعين على المتشككين أن يتذكروا أن مولد اليورو ذاته جاء في أعقاب أزمة طاحنة. إذ كانت العملة الموحدة بمثابة الحل للاضطرابات التي سادت في مرحلة ما بعد الحرب ـ ارتفاع مستويات التضخم والبطالة، وهجمات المضاربة على الجنيه والليرة والفرنك الفرنسي. وكانت أزمة النظام النقدي الأوروبي بمثابة الدافع لإطلاق اليورو في الأول من كانون الثاني (يناير) 1999. في غضون عشرة أعوام فقط، أحدث اليورو ثورة في البيئة الاقتصادية العالمية، مرتقياً إلى مرتبة العملة الثانية على مستوى العالم ومنافساً الدولار كوسيط في التجارة والتمويل الدوليين. كما أصبح الاتحاد النقدي الأوروبي أكبر سوق في العالم الآن، وما زال مستمراً في التوسع. فمع التحاق سلوفاكيا بعضويته في الأول من كانون الثاني (يناير) غطى اليورو 16 دولة ونحو 329 مليون مواطن. إن الفوائد المترتبة على وجود اتحاد نقدي قائم على إطار مستقر للاقتصاد الكلي ويحكمه بنك مركزي مستقل لهي فوائد واضحة: فقد تمتعت منطقة اليورو بمستويات تضخم منخفضة وأسعار فائدة منخفضة طيلة القسم الأعظم من العقد الماضي، فضلاً عن زيادة في معدلات التجارة والاستثمار، والتكامل السريع بين الأسواق المالية. كما نجحت منطقة اليورو في توفير 16 مليون فرصة عمل على مدى الأعوام العشرة الماضية ـ وهو سجل أكثر نجاحاً حتى من نظيره في الولايات المتحدة. واليوم تسلط الاضطرابات المالية والانحدار الاقتصادي الضوء على المزايا التي يوفرها الاتحاد النقدي الأوروبي على أكثر من نحو. أولاً، نجح اليورو في القضاء على إمكانية اضطراب وتقلب أسعار الفائدة وهجمات المضاربة بالعملة التي كان من الممكن أن تتوقعها البلدان الأضعف اقتصاداً في خِـضَم الاضطرابات الحالية. وبفضل استقراره وقوته كعملة عالمية فقد عمل اليورو أيضاً على الحد من عدم استقرار أسعار الصرف عالمياً. ثانياً، تستفيد منطقة اليورو من البنك المركزي الأوروبي المستقل الذي تمكن بتصرفه السريع لتخفيف القيود المفروضة على السيولة وتنسيق السيولة النقدية من المساعدة في تفادي الانهيار المالي. ومن المؤكد أن اتخاذ مثل هذه التدابير السريعة المنسقة من جانب 16 بنكاً مركزياً في الوقت نفسه لم يكن بالأمر الوارد على الإطلاق. ثالثاً، كانت بنية الاقتصاد الكلي القائم على الاستقرار والتي تبناها الاتحاد النقدي الأوروبي سبباً في تجهيز بلدان منطقة اليورو لاستقبال العواصف الاقتصادية. وبفضل القواعد المالية التي فرضها ميثاق الاستقرار والنمو نجحت منطقة اليورو في تحقيق أفضل موقف لموازنتها في عام 2007، فتمكنت من تقليص العجز إلى أدنى مستوياته طيلة 25 عاماً. ولقد سمح هذا للعديد من بلدان الاتحاد الأوروبي بالتعامل مع الأزمة بقدر أعظم من حرية المناورة. إن مثل هذه الفوائد التي يوفرها الاتحاد النقدي الأوروبي تجعل من التكاليف الواضحة لعدم الالتحاق بعضوية الاتحاد سبباً في إعادة صياغة الحوار السياسي المحيط بمسألة تبني اليورو في العديد من البلدان. لا شك أن اليورو ليس دواءً لكل داء، وهو لم يعمل على نحو مثالي طيلة العقد الماضي. إذ كانت الفوارق بين الأنظمة الاقتصادية المختلفة من حيث النمو والتضخم تشكل تحدياً مستمراً. ورغم أن هذه الفوارق ليست أضخم من تلك التي قد نجدها بين بلدان أضخم اقتصاداً مثل الولايات المتحدة وألمانيا، إلا أن الأزمة الحالية تهدد بتضخيمها. وإلى هذا يرجع السبب وراء أهمية الاستمرار في تحسين أداء الاتحاد النقدي الأوروبي. وهذا لا يتطلب تعزيز القدرة على الصمود في مواجهة الأزمات فحسب، بل إن الأمر يتطلب أيضاً تجهيز بلدان منطقة اليورو لمواجهة التحديات الأطول أمداً والمتمثلة في العولمة، والشيخوخة السكانية، وندرة الموارد، وتغير المناخ. وفي ظل هذا المناخ الاقتصادي العالمي الذي قد يكون أكثر تقلباً طيلة القرن الـ 21، فيتعين علينا أن نسعى إلى جني القدر الأقصى من منافع التكامل الاقتصادي من حيث النمو وفرص العمل. إن المفتاح إلى تحسين أداء الاتحاد النقدي الأوروبي يكمن في المراقبة الأوثق والتنسيق الأعمق للسياسات الاقتصادية. ويتعين على الزعماء أن يكونوا حريصين على الارتقاء إلى مستوى المسؤوليات التي تأتي مع تقاسم عملة موحدة. كما يتعين عليهم أن يدركوا الأثر الذي قد تخلفه السياسات الاقتصادية الوطنية على منطقة اليورو ككل، وأن يعملوا بالتالي على مناقشة وتنسيق البرامج الاقتصادية على مستوى منطقة اليورو. وهنا يشكل تنفيذ خطة الانتعاش الاقتصادي الأوروبي ـ وهي المبادرة التي تهدف إلى توفير حوافز مالية تعادل قيمتها 1.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، والتي أقرها رؤساء الحكومات الأوروبية في ديسمبر (كانون الأول) ـ خطوة كبيرة إلى الأمام. والآن لابد وأن يعقب هذا مراقبة وثيقة للميزانية، خاصة أن تدابير التحفيز المالي، والانحدار الاقتصادي، وخطط إنقاذ البنوك ستؤثر سلباً في التمويل العام. ولا بد أن يستمر ميثاق الاستقرار والنمو في العمل كحجر الزاوية في بنية ميزانية الاتحاد الأوروبي، كما ستشكل المراقبة الفعالة والدعم المتبادل بين الأقران قدراً عظيماً من الأهمية فيما يتصل بمساعدة البلدان الأعضاء على العمل نحو إقرار ميزانيات متوازنة بمجرد استرداد الاقتصاد لعافيته. وإلى جانب المراقبة المالية العميقة فلا غنى عن توسيع نطاق المراقبة الاقتصادية، خاصة أن مظاهر الخلل في توازن الحساب الجاري أصبحت أكثر حدة أثناء الأزمة. وتعمل المفوضية الأوروبية الآن على توسيع نطاق تركيز المراقبة إلى ما هو أبعد من السياسة المالية حتى يتسنى لنا أن نتعرف على المخاطر الناجمة عن الخلل في توازن الاقتصاد الكلي أو التغيرات الطارئة على القدرة التنافسية ومعالجتها قبل أن تتحول إلى مشاكل راسخة. وأخيراً، يتعين على بلدان منطقة اليورو أن تبذل قدراً أعظم من الجهد من أجل إيجاد مواقف مشتركة في التعامل مع القضايا الدولية وأن تتحدث بصوت واحد في الساحة العالمية. وهذا هو السبيل الوحيد إلى تعزيز المصالح الاقتصادية للاتحاد الاقتصادي والنقدي والدفاع عنها في عالم حيث أصبحت التحديات عالمية وبات التغلب عليها معتمداً بشكل متزايد على التعاون المتعدد الأطراف. وإذا ما تأملنا في القمة الدولية التي انعقدت في تشرين الثاني (نوفمبر) بشأن الأزمة المالية العالمية فسوف نجد أن الاتفاق على موقف مشترك قبل الاجتماع كان سبباً في منح أوروبا دوراً أعظم. وحين تتمكن منطقة اليورو من الاتفاق السريع على موقف منسق فإن هذا من شأنه أن يكون مفيداً في التوصل إلى اتفاق سواء على مستوى الاتحاد الأوروبي ككل أو على المستوى الدولي. ومن الأهمية بمكان أن نشرع الآن في البناء على هذا النجاح ووضع استراتيجية دولية حقيقية من أجل اليورو. لقد أحرزت العملة الأوروبية الموحدة نجاحاً كبيراً، ولكن العمل ما زال جارياً. وبعد مرور عقد من الزمان منذ استخدام اليورو، فقد بات لزاماً علينا أن نسير على خطى مؤسسيه وأن نحول الأزمة إلى فرصة من خلال توحيد الجهود في إطار من روح التعاون والطموح ـ وبالتالي نعزز الأسس التي يقوم عليها الاتحاد الاقتصادي والنقدي.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية