الأحد, 9 أغسطس 2026|24 صَفَر 1448
الاقتصادية

هناك دراسة في مجلس الشورى تنطلق من حقيقة ثابتة وملموسة في حياة المواطنين، وعلى الأخص منهم من تمت إحالتهم للتقاعد، فالتضخم الذي أصاب الأسعار بالارتفاع المتواصل في السلع والخدمات وتكاليف المعيشة بشكل عام طرح مشكلة التعامل مع أصحاب الدخل الثابت ومنهم المتقاعدون الذين واجهوا متطلبات الحياة بدخول ثابتة. مع أن مكرمة خادم الحرمين الشريفين بزيادة نسبة 5 في المائة على الرواتب لمدة ثلاث سنوات متتالية استجابة لمتطلبات تحسين دخل موظفي القطاع العام، فإن هذه المكرمة شملت المتقاعدين أيضا وأسهمت في تخفيف وطأة ارتفاع تكاليف المعيشة عنهم.

لقد وصلت معدلات التضخم في البلاد إلى نحو 10 في المائة، وهي نسبة عالية جدا وجاءت في سياق الارتباط بالأوضاع الاقتصادية العالمية التي فرضت نفسها بقوة على الأسواق المماثلة، خصوصا في الدول النفطية، ولأنها كذلك فإن تخفيف وطأتها على المواطن على المدى البعيد يتطلب دراسة اقتصادية ومالية. وعكس مجلس الشورى بالفعل نبض المواطن عندما تبنى مناقشة أوضاع المتقاعدين في ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية من خلال دراسة جادة تهدف إلى زيادة معاشات التقاعد دوريا بنسبة تعكس ارتفاع تكاليف المعيشة في البلاد.

إن موافقة مجلس الشورى على التوصية التي تضمنتها الدراسة تؤسس لمفهوم تعويض موظفي القطاع العام المتقاعدين ومن سيتقاعدون عن زيادة تكاليف المعيشة، ولكن لا بد من آليات وبرامج تتبناها المؤسسة العامة للتقاعد حتى يمكن تحويل هذه التوصية إلى مشروع رسمي يتم اعتماده من قبل مجلس الوزراء لتصدر به قرارات وأنظمة تجعله محل التنفيذ، وهي مسألة لم تغب عن بال مقدم الدراسة ومناقشيها، فطالب المجلس المؤسسة العامة للتقاعد بسرعة إنهاء وإعداد مشروع نظامي التقاعد المدني والعسكري، ثم لاحظ المجلس أن تبعية المؤسسة العامة للتقاعد لوزارة المالية إداريا وتنظيميا، رغم أنها مؤسسة عامة تتمتع بالشخصية الاعتبارية المستقلة ماليا وإداريا، فهذه الاستقلالية مقصودة، حيث تمكنها من أداء مهامها بما يتلاءم مع طبيعتها وتحقيقا لالتزاماتها الحالية والمستقبلية وبما يحسن أوضاع المستفيدين من الخدمات التي تقدمها المؤسسة لهم.

إن المتقاعدين هم موظفون سابقون خدموا في القطاعات الحكومية المدنية والعسكرية، وأدوا واجبهم، فالتقاعد تأمين لمستقبل الموظف وأسرته ومَن يعول، وهو وضع قانوني سيصل إليه الموظف الحكومي على رأس العمل، ومن ثم فإنه محل اهتمام من لم تتم إحالته إلى التقاعد، خصوصا في ظل عدم عودة الأسعار في بعض السلع الغذائية والاستهلاكية والخدمات إلى ما كانت عليه قبل ارتفاع الأسعار، فرغم حدوث الأزمة المالية العالمية وعودة أسعار الطاقة إلى ما كانت عليه، إلا أن المعاناة مع التضخم باقية، رغم زوال مبرراته الرئيسة، منها انخفاض أسعار العملات الأجنبية مقابل الريال السعودي.

إن اهتمامات المواطن وتطلعاته ترتبط بإمكاناته المادية وكيف ستؤثر السياسات المالية والاعتمادات المحددة في الميزانية في مستوى معيشته وأسرته، ولأن التفاؤل سيسود في أذهان المستثمر والمستهلك والتاجر، بعد أن أعلنت الدولة عن أضخم ميزانية في تاريخ المملكة، فإن ذلك يعكس تبني سياسة مالية توسعية، على الرغم من كل الظروف الخارجية والداخلية التي ارتبطت بالاقتصاد العالمي وأزمته المالية. ومع تنوع التحديات وضخامتها، فإن التركيز على رفاهية المواطن وتحسين أوضاع معيشته جزء مهم في السياسة المالية التي تراها الدولة عنصر بناء للفرد والأسرة، وتسهم بشكل فاعل في مساعدة الأسرة على مواجهة أعباء الحياة، والإسهام بدورها في تحسين فرص أبنائها التعليمية والاجتماعية وتمكينهم من القيام بواجبهم نحو الدولة والمجتمع، فالأسرة هي العنصر الرئيس في بناء المجتمع، ومن ثم فإن تحسين أوضاع رب الأسرة يسهم في تحقيق أهدف المجتمع بشكل عام.

لقد أكد خادم الحرمين الشريفين ـ حفظه الله ـ أن اقتصاد المملكة بخير، وأنه لم يتأثر بما يحدث في العالم، فإنه لم يقل سوى الحقيقة التي عكستها الميزانية العامة للدولة، رغم تراجع أسعار الطاقة، وهذه الحقيقة يعرفها الاقتصاديون داخل المملكة وخارجها. ولأن استمرار وتيرة النمو يحتاج إلى نظرة شاملة، فإن هذه النظرة لم تغب عن بال خادم الحرمين الشريفين حينما شمل بمكرمته المتقاعدين، وهذه النظرة الشاملة توحي اليوم بتحسين الأوضاع المعيشية لمن خدموا في القطاع العام وتقاعدوا، فهم عنصر إنتاج مهم لما يقومون به من مسؤوليات أسرية وواجبات أبوية مستمرة، رغم انتهاء خدمتهم الوظيفية، وإن من المؤمل أن تستطيع المؤسسة العامة للتقاعد تحقيق أهدافها نحو المستفيدين من خدماتها.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية