الأربعاء, 12 أغسطس 2026|27 صَفَر 1448
الاقتصادية

كان من طقوس زياراتي المتعددة "للقاهرة" أن أمر بمكتبة الحاج "محمد مدبولي" .. مرة على الأقل وربما مرات .. وكان الرجل يعرفني بما أكتبه في الصفحة الأخيرة من "الشرق الأوسط" نحو 20 عاماً متصلة، إضافة إلى رئاستي تحرير مجلة "سيدتي" وكانت الجريدة والمجلة تعرضان عنده عندما كان الكشك الشهير ركناً نسميه كشك "مدبولي".

وفي القسم الداخلي للمكتبة كنا نشرب فنجان القهوة .. وأنا أستمع منه إلى آرائه في السياسة والثقافة .. وكنت طبعاً أسأله عن التوزيع وكانت إجابته الدائمة: عال العال!

وقد كان هذا الرجل الذي رحل منذ قليل مؤسسة حقيقية للنشر والتوزيع، ورغم أنه بدأ حياته العلمية وهو يجهل القراءة والكتابة فقد علم نفسه حتى أصبح ربما من أكثر الناشرين معرفة بالكتب .. وكانت "الفرشة" التي يفرشها على الأرض أمام الكشك تشكل مربعاً كبيراً كأنها مائدة طعام اشترك فيها أكثر طباخي العالم .. ثم رأت السلطات المسؤولة إزالة الكشك لتوسيع ميدان "سليمان باشا" فدخل "مدبولي" بالمكتبة إلى شقة في الدور الأرضي .. ثم ضم إليها شقة في أخرى في الدور العلوي كانت من أكبر معارض الكتب في "مصر" وربما في "الشرق الأوسط"، ولم يكن يسمح بدخول أي شخص إليها إلا بمعرفته .. فقد كان جزء منها يضم الكتب المصادرة سواء من "مصر" أو "لبنان" أو "المغرب" أو أي دولة أخرى بما في ذلك الكتب الأجنبية.

وربما كان "مدبولي" - رحمه الله - الناشر الوحيد الذي كان يبيع كتبه بالتقسيط أو على الحساب، ومعروف أن عدداً كبيراً من مثقفي "مصر" كانوا يشترون الكتب منه ويدفعون جزءاً من الثمن والباقي حين ميسرة ولم يكن يرد أحداً .. وقد قابلت عنده الشاعر الكبير "نزار قباني" الذي كان يريد شراء شقة في "القاهرة"، وكان "مدبولي" سيدبر الجزء الأكبر من الثمن تحت الحساب .. ولا أدري إذا كان "نزار" قد اشترى الشقة أم لا.

بدأ حياته العملية في السادسة موزعاً للجرائد .. ومات في السبعين وهو ربما أكبر ناشر وموزع للصحف والكتب في "مصر" وربما في العالم العربي .. رحمه الله.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية