هناك حالات من العنف الأسري تناولتها وسائل الإعلام, وصل بعض تلك الحالات إلى نطاق الجريمة، حيث يجب أن توجد أقصى درجات الحماية والمحافظة على الحقوق الزوجية أو حقوق الأطفال في نطاق الأسرة الواحدة ولأن صور العنف متعددة, فإن ما يجمعها أنها تجاوز بدني أو نفسي أو هما معا يتعارض مع الأساليب التربوية, بل قد يصادر حقوق الطرف الآخر ليكون تسلطا أو عدوانا غير مقبول في تعاليم الدين الإسلامي وقيم المجتمع وأخلاقه التي هي ميزان نقيس به ما تستهجنه النفوس وتأباه العقول السليمة فإنه ومهما تم تحميل العادات والتقاليد جزءا من المشكلة فإن ذلك تبرير هو أسوأ من الذنب نفسه.
لقد بادر مجلس الوزراء الموقر إلى تكليف الجهات المعنية بوضع استراتيجية وطنية شاملة للتعامل مع مشكلة العنف الأسري على جميع المستويات مع تدعيم مناهج التعليم الدراسية بمفاهيم واضحة تحث على التسامح ونبذ العنف أما على الصعيد الإعلامي وهو الأقرب تأثيرا في السلوك فقد قرر مجلس الوزراء أن تكون هناك خطط إعلامية توعوية تركز على البرامج الوقائية اللازمة لذلك من خلال مؤسسات إعلامية متخصصة.
إن حدوث العنف بدرجاته المختلفة وأعلاها الجريمة داخل الأسرة مأساة إنسانية واجتماعية وهي بصداها الضخم وإن كانت حالات معدودة لكنها تنبئ عن خطر يتهدد أمن أفراد الأسرة الواحدة, حيث يصعب معرفة المشكلة إلا بعد تفاقم أضرارها وتحولها إلى مأساة ينظر إليها الجميع بحسرة وألم كما أن أصعب طرق المعالجة عرض قضية أسرية تحت اسم العنف الأسري أو الجريمة بين أفراد الأسرة الواحدة أمام القضاء وهي بآثارها القريبة والبعيدة المدى تخلق جروحا تلازم أطرافها طيلة الحياة.
وإن من الواجب أن يتحرك كل فرد بدءا من ذاته ليواجه سلوك العنف المرفوض شرعا وخلقا وخصوصا داخل الأسرة, فاليوم هناك خطوات وضعها مجلس الوزراء ولم يعد هناك ما يبرر تناول هذا الموضوع الحساس بالاستحياء والسلبية سواء على المستوى الرسمي أو المستوى الأهلي ولأن حالات العنف الأسري ضد المرأة وضد الطفل لم يكن لدى أذهاننا القدرة على تصورها, فإن المكان الأخير الذي يمكن أن توجد فيه الجريمة هو البيت ، ففي إطار الأسرة الواحدة المكونة من الأبوين والأبناء توجد العاطفة والحب والتضحية وكلها تقاوم بل تنفي فكرة الإقدام على العنف، ولكن اليوم يحدث ما لم يكن متصوراً وأصبح لزاماً على المجتمع أن يبحث عن حلول للتعامل مع حالات العنف الأسري، فالوازع الديني والأخلاقي والإنساني انهار تماماً في بعض الحالات التي تم عرضها على جهات التحقيق ثم القضاء، فالتعذيب ثم الضرب المفضي إلى الموت كان أبشع الصور التي كشف عنها بعد اتخاذ الإجراءات الرسمية خارج إطار القرابة التي لم تنجح في لملمة الموضوع، حيث أصبح هناك حق عام للمجتمع يفرض وجود عقاب رادع, خصوصاً عندما تكون نتيجة الجريمة الأسرية الموت صبراً.
ولقد اعتاد المجتمع على محاولة إسدال الستار على جرائم العنف الأسري، ومواراتها في طيات الإخفاء والسرية التامة لأن إظهارها للعيان سيجرح وعي الناس وربما كان السبب الرئيس في إخفائها أن إظهارها وكشفها سيوجه تشكيكاً لخصوصيتنا التي ندعي أنها الدرع التي تحمينا مما تواجهه المجتمعات الأخرى, حيث ينعدم الدين والأخلاق والإنسانية ، إلا أن ذلك الداء قد أصاب المجتمع أو شريحة منه, فهل ضمنا آلية ناجحة لمواجهة جرائم العنف الأسري؟ إن مشكلة العنف الأسري ما زالت دون حد الظاهرة الاجتماعية ولكنها تزايدت في السنوات الخمس الماضية, فوفقا لإحصائيات الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان فإن نسبة قضايا العنف الأسري بواقع 22 في المائة من إجمالي 5600 حالة تلقتها الجمعية، وما لم يتم إعطاء دور للمدرسة والمرأة في مواجهة جرائم العنف الأسري وإلا فإن هذه الجريمة المستجدة على المجتمع ستتحول إلى ظاهرة لا يمكن الوقاية منها سوى بقانون صارم.
