الاثنين, 10 أغسطس 2026|25 صَفَر 1448
الاقتصادية

الركود الاقتصادي على النطاق العالمي الذي أثاره تسونامي مالي الذي ضرب وول ستريت أوصل العولمة الاقتصادية إلى حالة توقف تام، وبالعودة إلى الماضي فقد كان انتصار الرأسمالية بعد الحرب الباردة هو الذي أدى أخيرا إلى السعي الدءوب وراء الأرباح القصوى في كل أرجاء العالم، الأمر الذي أدى إلى سيطرة "وول ستريت" على التوسع المالي من ناحية، وإلى تدويل التصنيع والخدمات من ناحية أخرى، وماذا كانت النتيجة؟ عولمة اقتصادية سريعة.

وبينما بدأ التسونامي المالي الحالي يغير التوسع المالي، فإن الركود الناجم حرف تدويل التصنيع والخدمات عن مسارها، ومع أن سياسة التجارة الحرة التي طبقتها منظمة التجارة العالمية ستستمر، فإن التجارة العالمية ستواصل التراجع ليس فقط بسبب الأسواق المضمحلة، ولكن لأن السياسات المحفزة التي تنتهجها أقطار مختلفة لتشجيع (وحماية) الصناعات المحلية ستستمر في إضعاف الطلب على السلع والخدمات المستوردة، وهذا سيوقف عجلة العولمة.

وهذا ليس خبرا جيدا لآسيا، التي دأبت على ركوب موجة العولمة في عصر اتصف بالازدهار خلال العقود الأخيرة العديدة، وفي الحقيقة، ومن "معجزة شرق آسيا" التي تزعمتها اليابان إلى نهوض آسيا الذي حركه النمو الاقتصادي السريع للصين والهند، فإن كل الدول الآسيوية تقريباً (فيما عدا الدول المنتجة للنفط) قد اتبعت نموذج التنمية نفسه الذي قادته الصادرات، الذي كان مشروطا بأسواق خارجية مفتوحة ومزدهرة وتدفقات ثابتة من الاستثمارات الأجنبية.

وفي ضوء ركود العولمة حاليا، يبدو كما لو أن نموذج التنمية الذي تقوده الصادرات قد فقد ما يحركه، فالأسواق الخارجية المضمحلة، وتجميد سيولة رأس المال، وجهود عدة دول متقدمة لحفز (وحماية) صناعاتها المهيمنة والهواجس المتزايدة حول تكاليف الطاقة والبيئة- كل هذه تفرض تكاليف ثقيلة على الاقتصادات الآسيوية، الأمر الذي يسبب تباطؤا جوهريا من اليابان المتقدمة جدا وبنجلادش التي بالكاد بدأت تنطلق، إلى المركز المزدهر لشنغهاي وقلب الهند المالي، شنغهاي.

وفي الحقيقة، فإن الركود العالمي الناجم، قد أظهر نتيجة بعيدة المنال للعولمة في آسيا، ولم تكن الاقتصادات الآسيوية بمثل هذا التواكل الشديد من قبل، ولهذا فإن من مصلحة كل دولة آسيوية أن تتعامل مع التراجع الاقتصادي حتى تخلق زخما جديدا للمناطقية في آسيا، وهذا سيؤدي إلى تحديات مخيفة مثلما يؤدي إلى فرص غير مسبوقة في المنطقة.

ومع أنه سابق لأوانه، تطوير عملة آسيوية في الوقت الحاضر، فإن هنالك إلحاحية متزايدة لتعمل الاقتصادات الآسيوية على تنسيق آلية للأمور المالية. وبينما يصل إجمالي الدخل المحلي الاسمي في آسيا إلى 26 في المائة من الإجمالي العالمي، فإن ثمانية من أكبر عشرة مالكين للعملة الأجنبية في العالم هي في آسيا – الصين، اليابان، روسيا، تايوان، الهند، سنغافورة، كوريا الجنوبية، وهونج كونج (وتحتل البرازيل وألمانيا المرتبتين السابعة والعاشرة على التوالي)، حيث تملك نحو خمسة تريليونات دولار.

وبينما تصبح التركيبة المالية في العالم لاغية بشكل متزايد، فإن على آسيا أن تنسق العمل بصورة مشتركة في ضوء نظام مالي عالمي يعاد بناؤه، وليس الهدف فقط تقليل الضعف المالي الكبير في حالة تراجع اقتصادي (وفقا لتقرير لوكالة رويترز يوم الحادي عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) 2008، فإن الموجودات الآسيوية من العملات الأجنبية، فيما عدا الصين، عانت من قفزة مقدارها 119 مليار دولار في شهر تشرين الأول (أكتوبر)، والأهم من ذلك، أن بروز آسيا، المتمركز في النمو السريع للصين والهند من ناحية والتكامل الإقليمي المتزايد من ناحية أخرى، بالكاد يمكن الحفاظ عليه دون نظام مالي إقليمي فاعل، والذين يمكن للدول الآسيوية من خلاله أن تنسق بشكل كاف معاملاتها المالية وتحمي أنفسها على نحو أفضل في أوقات الأزمات.

ويكشف غياب نظام مالي إقليمي نقطة ضعف مهمة أخرى في تنمية آسيا: وهي وجود مؤسسات إقليمية غير كافية رغم التكامل الإقليمي المتزايد، ومع أن الصحيح أن منظمات إقليمية مختلفة أو شبه منظمات – مثل آسيان، وآسيان3، وآبيك APECk، وقمة شرق آسيا EAS والمنتدى الآسيوي الإقليمي ARF ومنظمة شنغهاي للتعاون SCO - كانت فاعلة في تطوير الثقة المتبادلة وتنسيق الشؤون الإقليمية، فإن عددا ثقيلا منا قادر على تطبيق أنظمة ومبادئ ملزمة أو رسم سياسات الدول الأعضاء، ودون وجود إطار مؤسسي كفؤ لتنسيق العمل فإنها بالكاد تستطيع آسيا أن تزيد فائدة التكامل الاقتصادي.

وبينما سيؤدي إضفاء المناطقية الأوسع إلى إعطاء فائدة لجميع أعضاء المجتمع الآسيوي، فإنه أيضا كشف العقبات الكاداء التي يجب على آسيا أن تتغلب عليها لتطوير مؤسسات إقليمية فاعلة لتوجيه وإدارة المناطقية.

وإضافة إلى الاختلافات الهائلة في مستوى التنمية والثقافات والأنظمة السياسية، فإن هنالك عدم ثقة متبادلة وشكوكاً عميقة بين الدول الآسيوية، لم تتسبب فيها المصالح المتضاربة بل سببها العداء التاريخي والاستياء القومي.

وفي ضوء وجود أمريكا القوي في المنطقة، فإن الجيوسياسة التي بدأت تحدث أثرها أمام موجة العولمة، قد تحمل الآن وزنا أكبر في قواعد اتخاذ القرارات من قبل الزعماء الآسيويين، وبنفس الوتيرة، وفي سعيهم وإبقائهم على "توازن استراتيجي" في المنطقة فإن التفاعلات الثنائية ومتعددة الأطراف بين الدول الآسيوية ستصبح أكثر تعقيدا ومن طبقات مختلفة.

لكن الصفة المناطقية شيء لا يقاوم، ليس فقط لأن التكامل الاقتصادي قد قرر أن المجتمع الآسيوي على مسار المصير نفسه مقابل التنمية الاقتصادية، ولكن لأن الدول الآسيوية بتكاتفها معا فقط تستطيع أن تحول تحديات العصر إلى فرص. وهذا أمر يتضح بشكل خاص في مجالات أمن الطاقة والبيئة والاستقرار المالي والجرائم التي تتجاوز حدود الدول، وفوق كل ذلك، المعركة ضد القوى السياسية والمتدينة المتطرفة التي أصبحت تشكل تهديدا كبيرا للسلام والازدهار الإقليميين.

إن التسونامي المالي والركود العالمي المتربص قد جعلا هذه المهمة أكثر إلحاحا بالنسبة للمجتمع الآسيوي، وبعد كل ذلك فإن نهوض آسيا، كما يتصوره كيشور ماهبوباني في كتابه "نصف القارة الآسيوي الجديد the New Asian Hemisphere بالكاد يمكن تحقيقه إلا إذا تضافرت جهود جميع أعضاء المجتمع الآسيوي ضمن إطار مؤسسات إقليمية كفؤة وقابلة للحياة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية