الاثنين, 10 أغسطس 2026|25 صَفَر 1448
الاقتصادية

قطاع التأمين في المملكة يشتكي من قصور في التشريعات وعدم وجود جهة قضائية تنظر في منازعاته وتعدد في جهات الرقابة والإسراف وقد كان من المنتظر أن تكون النقلة النوعية في إعادة ترتيب هذا القطاع المهم مرحلة جديدة لإيجاد قطاع متكامل يماثل القطاع المصرفي في تنظيماته وترتيباته، إلا أن هذه النقلة النوعية لم تكتمل بعد ولم يوجد منها سوى الترخيص للشركات واستبعاد غير المرخص منها. ولهذا فإن قطاع التأمين لا يزال ميداناًَ رحباَ للممارسات غير النظامية، بل غير المهنية أحياناً، وهذا ما ندعوه بالاحتيال وهي ظاهرة وجدت في قطاع التأمين ولا تزال مستمرة حتى اليوم.

ولأن مؤسسة النقد العربي السعودي ستبدأ في تطبيق لائحة مكافحة الاحتيال في شركات التأمين، فإن الاحتيال الذي يجب مكافحته ليس دائماً من طرف العملاء، بل هناك حالات يمكن وصفها بالاحتيال تمت على يد بعض شركات التأمين وذلك من خلال بعض أعضاء مجالس إداراتها وموظفيها أو وكلائها وموزعيها، فالتأمين ليس مجرد تحصيل أقساط وإصدار وثائق، بل هو التزام بالتعويض في حالة حصول الخطر المؤمن ضده ووجود ضرر ناتج عن ذلك الخطر، حيث لا يمكن فهم بعض الممارسات غير المهنية التي صدرت من بعض شركات التأمين والشركات أو المؤسسات العاملة في مجال المساندة لشركات التأمين وهي ممارسات تتضمن رفض دفع التعويضات لأسباب مصطنعة وأحياناً مماطلة غير مبررة وتهدف إلى خلق حالة اليأس حتى يتنازل العميل عن طلبه في التعويض .. أما الأمر الأسوأ من ذلك فهو عدم وجود مركز للمطالبات ومعالجة حالات التعويض لدى بعض الشركات وهذا يدخل العملاء في دوامة لا تنتهي وتؤدي إلى مصادرة حقهم في التعويض رغم انطباق شروط وأحكام وثائق التأمين التي أصدرتها تلك الشركات.

إن قطاع التأمين بشركاته ومؤسساته وجميع الأنشطة الداخلة ضمنه مهماً جداً ويخدم جميع القطاعات التجارية في البلد بل يمتد إلى خدمة الأفراد باختلاف احتياجاتهم في التأمين على الممتلكات والسيارات والخدمات الصحية، لذا يمكن وصفه بأنه قطاع متغلغل في نواحي الحياة كافة ويجب الحرص على استمراريته نظيفاً من الممارسات الاحتيالية أو غير المهنية. ولعل اللائحة التي أصدرتها مؤسسة النقد وستبدأ في تطبيقها تكون أداة لضمان تطبيق التعليمات والمتطلبات الرقابية والإشرافية وترسيخ المعايير المهنية لممارسة نشاط التأمين ومنع الاحتيال في هذا القطاع المهم ولأن هذه اللائحة تتناول على وجه التحديد الاحتيال أيا كانت صورته وأيا كان الطرف الذي قام به، فإن من المهم جداً وجود قضاء ينظر في منازعات التأمين، حيث يمكن وصف الوضع الحالي بأن هذه العقود والوثائق التي يتم توقيعها في خدمات التأمين لا يوجد قاض ينظرها وبالتالي فإن علينا أن نتوقع أن يكون تطبيقها والالتزام بما ورد فيها وإعطاء الحقوق الناتجة عنها هو أمر بيد الأطراف وغالباً ذلك الطرف القوي الذي يستطيع أن يفرض الأمر الواقع لأنه يعلم أن تصرف الآخر لا يستطيع اللجوء إلى قضاء التأمين لعدم وجوده ولعدم فاعلية التقاضي أمام الجهات الإشرافية والرقابية والتي ليس لها صلاحية في القضاء ولا تستطيع أن تقوم بهذا الدور.

إن المصداقية هي رأس المال الحقيقي لشركات التأمين وهو اليوم المحك أمام قرار العملاء والمتعاملين مع تلك الشركات حيث تؤثر جدية الالتزام بالتعويض في قرارات العملاء اختيار الشركات التي يؤمنون لديها، ونستطيع أن نقول إن التأمين الطبي والتأمين على السيارات أصبحا إلزاميين وهما أكثر مجالات الخسارة بالنسبة لشركات التأمين بسبب تعدد العملاء، وفي الوقت نفسه هما أكثر المجالات ربحاً لتلك الشركات لأنهما أصبحا إلزاميين وعلى الشركات أن تتخذ الإجراءات الكفيلة لتخفيف مخاطر الاحتيال لا أن تستغل وجود حالات احتيال لرفض طلبات التعويض أو المماطلة فيها وإن السوق تشهد بالفعل وجود شركات سباقة في حماية مصداقيتها ولكن هناك مَن يسيء وهو ما يمكن وصف فعله بالاحتيال وهو الذي جاءت اللائحة لمكافحته.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية