الثلاثاء, 11 أغسطس 2026|26 صَفَر 1448
الاقتصادية

الاقتصاد السعودي اقتصاد متين, ويبنى وفق رؤية اقتصادية تنموية متزنة ومتوازنة تعتمد بعد الله ـ سبحانه وتعالى ـ على حسن استقطاب الاستثمارات وتطوير أدواتها وعدم الدخول في استثمارات تحمل نسبا عالية من المخاطرة, كما يتمتع الاقتصاد السعودي بعدد من الأذرع الاقتصادية الاستثمارية التي تؤمن له القوة والمتانة والاستمرار الناجح.

هذه الخاطرة مرت في ذهني خلال رحلة الإسقاطات الاستثمارية المالية التي عاشتها سوق الأسهم السعودية خلال السنوات الثلاث الماضية ثم ما حدث من انهيارات مالية عالمية أكلت الأخضر واليابس في عديد من دول العالم الأول والثالث والعاشر لأسباب عديدة, أهمها ارتفاع حجم المخاطرة ونسبتها في الاستثمارات المختلفة, ودخول لاعبين جدد لا يعرفون من الاستثمار إلا لعبة الأرقام الوهمية والخيالية, هؤلاء اللاعبون وجدوا في كل أسواق واقتصادات دول العالم وسوق السعودية ـ مع الأسف الشديد ـ حالها حال كل الأسواق المذكورة. هذا فيما يتعلق بسوق الأسهم السعودية وسوق السلع في السعودية, أما الاستثمارات الحكومية ومراقبة البنوك السعودية فإنها لم تدخل هذا المسرح الهزيل والمضحك, لهذا فإنها تعيش اليوم بمنأى ـ بإذن الله سبحانه وتعالى ـ عن تلك المشكلات.

سوق الأسهم السعودية, سوق ناشئة لم تعرف ثقافة المضاربة والعبث الاقتصادي إلا منذ أقل من أربع سنوات عندما دخلت السوق فئة لا تفهم ثقافة الاستثمار في الأسهم وأخذت تلعب بالأسعار وتضارب بشكل أدى إلى الارتفاعات المتتالية, حتى إن هؤلاء المستثمرين من أصحاب الخبرة القليلة في السوق وأغلبهم إما أشخاص سبق لهم العمل في بعض البنوك أو المصارف, وأكثرهم موظفون وإما جنود تقاعدوا عن العمل ووجدوا في سوق الأسهم السعودية ضالتهم وبدأوا رحلة اللعب على الذقون بحيث أصبحوا يعطون مساهميهم أرباحا بنسب عالية في الشهر تتجاوز 30 في المائة, وذلك لجذب مزيد من الأموال, واندفع الناس خلفهم الكبير والصغير, العاقل والجاهل الرجل والمرأة, بحيث أصبح حديث الناس في تلك الأيام عن هذا الخير المبارك والرجال الصالحين الذين سيعملون على جعل أبناء الديرة وبناتها من أصحاب الملايين خلال فترة زمنية قصيرة, وباع أغلب الناس مساكنهم واقترضوا على رواتبهم ورواتب نسائهم حتي يعم الخير الجميع ولا تضيع الفرصة عليهم, زواجات عديدة أجلت حتى يتم استغلال تكاليفها في هذا الاستثمار المبارك, ويقال إن أحد هؤلاء الهوامير ممن لا تتعدى رتبته العسكرية الجندي ودراسته الابتدائية أصبح بفضل هذا الاندفاع يسمي الشيخ فلان وتتحرك معه عشرات السيارات المرافقة من آخر الموديلات الفاخرة ويسافر بطائرات خاصة يجوب عواصم بعض الدول العربية ليس للاستثمار وإنما للاستثوار.

هذه الظاهرة الاستثمارية انتهى الأمر بأغلب هواميرها ومستثمريها بين السجن أو الموت أو الجنون أو الإفلاس أو الهرب خارج البلاد, ومع ذلك جاءت ظاهرة جديدة تقود السوق قبل أحداث شباط (فبراير) 2006 واستمرت بعدها حتى يومنا هذا. هذه الظاهرة تتمثل في أصحاب أجهزة الحاسب الآلي المحمول Laptop ممن يقرأون المواقع الإلكترونية في المساء ويقودون السوق في الصباح وفق قاعدة كل الفطير وطير Hit and Run, وهم بهذا يعتقدون أنهم أصحاب خبرة في سوق الأسهم, حتى إن أحد الزملاء ذكر لنا أن حلاقا تركيا لا يعمل في صالونه إلا بعد الساعة الرابعة عصراً حتى يستطيع خلال الفترة من الساعة 11 ظهراً إلى الساعة الثالثة والنصف عصراً متابعة السوق والبيع والشراء فيها.

من يعرف سوق الأسهم السعودية منذ بداياتها في منتصف الثمانينيات الميلادية حتى أقل من أربع سنوات ماضية كانت سوق استثمار تعرضت لعديد من المطبات الاستثمارية وصلت خلالها قيمة بعض أسهم الشركات إلى أقل من 10 في المائة من قيمتها الأساسية ولم نسمع أو نر الهلع الذي نراه اليوم وإنما ما حدث هو أن كل مستثمر باع أسهمه أو أغلق عليها الصندوق حتى عادت السوق إلى وضعها الطبيعي. تلك السوق وهذه السوق لم يكن لهما أي تأثير حقيقي في الاقتصاد السعودي وإنما الفرق بينهما أن تلك السوق مرت بالأزمات دون ضجيج أو مخاوف, وهذه السوق مرت بكل المشكلات النفسية والاجتماعية والأخلاقية والسلوكية والاقتصادية والمالية مع أنها لا تمثل تلك القيمة الحقيقية للاقتصاد السعودي, كما أن عديدا من الشركات التي انضمت إلى أخواتها الشركات القديمة في تلك السوق الجميلة لم تضف إليها إلا مزيدا من المصائب لأسباب عديدة, من أهمها أن أغلب الشركات الجديدة إما أنها بدأت وهي مفلسة أساساً وإما أنها ضعيفة في استثماراتها وإما أنها تدار بشكل عائلي أو من خلال فساد إداري, وستبدي لنا الأيام المقبلة حقيقة هذا التقويم لتلك الشركات إلا من رحم ربي.

لهذا يجب فصل قوة الاقتصاد السعودي ومتانته عن سوق الأسهم السعودية, وجعل السوق عبارة عن منتدى اقتصادي بسيط يلتقي فيه أصحاب الحاسبات الآلية المحمولة مع الحلاقين والطباخين ومن في حكمهم, ولعل قصة فورد المستثمر الأمريكي في سوق الأسهم الأمريكية مع ماسح الأحذية خير دليل على ذلك, مع عدم التركيز الإعلامي على سوق الأسهم وتخفيف الضوء أو الأضواء عليها لفترة زمنية معينة حتى ترحل منها العوالق التي التصقت بها وأثرت فيها وأصابتها بكل الأمراض التي تعانيها اليوم.

إن تصريح خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز, عن حقيقة الاقتصاد السعودي ومتانته وحسن استثماراته واستمرار السعودية في تنفيذ خططها التنموية وأن الخطة التنموية التاسعة سيعتمد لها أكثر من 400 مليار دولار, بمعنى أن كل سنة من الخطة سيرصد لها أكثر من 300 مليار ريال, هذا التصريح لخادم الحرمين الشريفين بعد لقاء العشرين في واشنطن وما هو معروف عنه ـ يحفظه الله ـ من صدق الطرح ووضوح الرؤية لم يؤثر في سوق الأسهم, بل كانت السوق خلالها تمر بأزمة انهيار مستمرة, ولقد تساءل عديد من المهتمين: إذا كان هذا التصريح الصادق لملك السعودية ولم يؤثر في السوق فأين الخلل؟ والخلل بكل بساطة أن أغلب المؤثرين في السوق لم يعودوا هم رجال الأعمال والمال وإنما أصحاب الحاسبات الآلية المحمولة ومن في حكمهم من المتقاعدين والحلاقين والطباخين, وهؤلاء جميعاً ومعهم مثلهم لا يفهمون معنى التنمية والاستثمار والخطط المستقبلية والتوازن الاقتصادي وغيرها من الأمور الاقتصادية التي تؤثر في وضع البلد واقتصاده, ولهذا لم يفهموا رؤية الملك عبد الله.

دعونا نترك سوق الأسهم فترة من الزمن دون اهتمام أو ضجيج وسيعود المياه إلى مجاريها في هذه السوق وسيخرج منها الدخلاء والمضاربون بعد أن يفلس بعضهم بعضا. هذه الفترة الزمنية ستساعد هيئة السوق على ترتيب أوضاع السوق وتطوير أدواتها ومعالجة أخطائها وأخطاء من عمل فيها بجهل وسيعود ـ بإذن الله ـ ثم بالنظرة الثاقبة لقيادة البلد ورجالها الأكفاء في وضع أفضل ومستقبل زاهر.

وقفة تأمل:

وزائرتـــــي كأن بهـــــــــا حياء فليس تـــــــزور إلا في الظـــــــلام

بذلت لها المطارف والحشايـــــا فعافتهــــــــــا وباتت في عظــــــام

يضيق الجلد عن نفسي وعنها فتوسعــــــــــه بأنــواع السقــــــــام

أراقب وقتهــــا من غير شـــــــوق مراقبـــــــــة المشوق المستهــــــــــام

ويصدق وعدهــــا والصدق شر إذا ألقاك في الكرب العظام

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية