تصدير الغاز المصري ونظرية تغير الظروف

|
استعرضنا في المقال السابق أبرز مضامين الحكم الذي أصدرته محكمة القضاء الإداري في مجلس الدولة المصري بشأن إلغاء قرار وزير البترول الخاص بترتيبات بيع الغاز المصري لإسرائيل وما سبق ذلك الحكم وأعقبه من تعليقات حول هذا الموضوع, وانتهينا إلى القول إنه: إذا أصبح هذا الحكم نهائياً بعد استنفاد جميع طرق الطعن فيه فإنه يصبح واجب التنفيذ ولن يترتب على تنفيذه أي مسؤولية دولية على الدولة المصرية لأن عقد تصدير الغاز – كما تقول الحكومة المصرية – ليس اتفاقاً بين دولتين أو دولة وشركة وإنما اتفاق بين شركات لها شخصيتها الاعتبارية, وتستطيع الشركة المصرية الموردة للغاز أن تدرأ عن نفسها مسؤولية عدم تنفيذ التزاماتها بمسوغات قانونية عديدة وأهمها مبدأ القوة القاهرة، فالحكم القضائي النهائي الذي يلزم الحكومة بوقف تصدير الغاز لإسرائيل يشكل في هذه الحالة قوة قاهرة تخول الشركة المتعاقدة الحق في وقف تنفيذ التزاماتها. وامتداداً لما سبق أود أن أشير إلى أن النقاش في الأوساط السياسية والاقتصادية والإعلامية المصرية لم يكن محصوراً في نطاق بيع الغاز لإسرائيل وإنما كان يشمل أيضا جميع عقود تصدير الغاز المصري إلى الخارج، ويكاد يجمع الرأي العام المصري على ضرورة إعادة النظر في هذه العقود والتفاوض مع المستوردين من أجل تعديلها على نحو يضمن تحقيق عوائد عادلة تتناسب مع المتغيرات الاقتصادية العالمية مع المحافظة على حقوق الأجيال القادمة في هذه الثروة الناضبة، وأشير في هذا الصدد إلى أن جريدة "الأهرام" المصرية نشرت بتاريخ 17/6/2008 خبراً مفاده أن لجنة الصناعة والطاقة في مجلس الشعب المصري أصدرت تقريراً عن موضوع تعظيم عوائد تصدير الغاز الطبيعي وحقوق الأجيال القادمة، حيث أكد التقرير أن هذه الثروة (البترول والغاز) ثروة ناضبة تتعاظم قيمتها كل يوم، لذا فإن هناك حاجة ماسة إلى المواءمة الدقيقة بين الاحتياجات الحالية وتأمين احتياجات الأجيال القادمة، خاصة في ضوء المتغيرات العالمية والارتفاع المطرد في الأسعار العالمية للنفط التي تتعاظم فيها قيمتا الغاز الطبيعي والبترول اللذين يلعبان دوراً مهماً في تأمين 95 في المائة من احتياجات مصر من الطاقة الأولية و62 في المائة من احتياجات العالم من الطاقة الأولية. وأكدت اللجنة في تقريرها ضرورة تكثيف المفاوضات لتعديل الاتفاقيات القائمة بلا استثناء، وفي مقدمتها الاتفاقية المبرمة مع إسرائيل، وأياً كانت شروط التعاقد، على أن تكون المرونة الكاملة هي الأساس في نظام التسعير الجديد، بحيث ترتبط الأسعار وفقاً للتغيير في الأسعار العالمية، وكذلك تراعي المرونة في مدة التعاقد بحيث تتم مراجعة المدة بالاتفاق بين الطرفين ويقترح أن تكون المراجعة خلال ثلاث سنوات على الأكثر وعلى أن يتم إخطار مجلس الشعب أولا بأول بنتائج هذه المراجعات وما تحققه من عوائد للدولة. وأن يتم تعديل أسعار تصدير الغاز الطبيعي إلى إسرائيل وفقاً للتغيير في الأسعار العالمية وعلى أن يتم التصدير إليها من حصة الشريك الأجنبي، وعلى أن تعطى أولوية التصدير للشعب الفلسطيني. وبالنسبة لحصة مصر من الغاز الطبيعي فإن اللجنة تؤكد أن مصر أولى بغازها وأن يتم تعظيم استفادة الشعب المصري من الغاز الطبيعي من خلال التوسع في توصيل الغاز الطبيعي في كل ربوع مصر مع تعظيم القيمة المضافة من استخدامه في صناعات المستقبل وبصفة خاصة صناعة البتروكيماويات. ودعت اللجنة أيضا إلى ضرورة أن تستند مصر في تعديل أسعار تصدير الغاز الطبيعي إلى نظرية الظروف المتغيرة. موضحة أنه لا يوجد سعر عالمي للغاز الطبيعي على خلاف أسعار البترول وذلك يرجع إلى أن تداول الغاز يتم من خلال مفاوضات مباشرة بين البائع والمشتري طبقاً لمحددات كل سوق والسعر السائد فيها. وتكلفة الإنتاج وتكلفة النقل (بعد المسافة أو قربها عن مصدر الإنتاج)، وقدرة السوق على السداد. وهذه محددات تختلف عن محددات الزيت الخام، أي أنه لا يوجد سعر عالمي للغاز. كما أن البيع يكون عن طريق عقود طويلة الأجل التي تمثل نحو 95 في المائة من تجارة الغاز العالمية. ومن ناحية أخرى، أوضحت اللجنة أنها تقدر الحملة الشعبية الرافضة لبيع الغاز المصري لإسرائيل. وتؤكد أهمية مراجعة كافة عقود تصدير الغاز للخارج بلا استثناء. وتتحفظ على سرية بعض البنود في الاتفاقيات القائمة لتصدير الغاز وتؤكد ضرورة ألا تكون هناك أي بنود سرية في أي اتفاقيات قادمة لتصدير الغاز. وطالبت اللجنة المذكورة مرة أخرى بتعديل الأسعار والرجوع إلى الأطراف المتعاقدة وأن يتم تطبيق نظرية الظروف المتغيرة وبما يسمح بتعديل الأسعار حفاظاً على حق مصر وحقوق الأجيال القادمة، ويتفق هذا النهج مع ما شرعت فيه العديد من الدول المصدرة والمستوردة للغاز نتيجة للتغير غير المسبوق في الأسعار العالمية كما حدث بين العديد من الدول، وضرورة إعطاء وزارة البترول الفرصة من أجل تعديل الأسعار والشروط وفقاً لظروف كل عقد. وبما يضاعف عوائد مصر من هذه الثروة الناضبة التي تزيد أسعارها كل يوم. على أن يخطر مجلس الشعب أولاً بأول بنتائج هذه المفاوضات، وما يتم التوصل إليه من تعديلات. ونظراً لعدم استقرار أسعار البترول والغاز العالمية وعدم وضوح الرؤية بالنسبة للمستقبل أوصت اللجنة بأهمية عدم توقيع عقود جديدة لتصدير الغاز خلال الفترة القادمة حتى تستقر أسعار البترول والغاز. وضرورة عرض جميع اتفاقيات أو عروض تصدير الغاز للخارج مستقبلاً على مجلسي الشعب والشورى بعد الحصول على موافقة من مجلس الوزراء. تلك هي أهم توصيات لجنة الصناعة والطاقة في مجلس الشعب المصري والتي أوضحتها في تقريرها المقدم للمجلس قبل نحو ستة أشهر من تاريخ صدور حكم المحكمة الإدارية. ويضاف إلى ما تقدم أنه في 3/11/2008م نشرت جريدة "الأهرام" تصريحاً للسيد جمال حسني مبارك الأمين العام المساعد للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم وأمين لجنة السياسات بالحزب جاء فيه (إن هناك إعادة تفاوض على كل شروط تصدير الغاز المصري للخارج بالتدريج)، وأضاف (إننا يجب أن نعترف بأن أحداً لم يكن في مقدوره أن يتوقع الارتفاع الكبير الذي طرأ على أسعار البترول والغاز في الفترة الأخيرة قبل الأزمة الاقتصادية المالية العالمية). ويتضح مما تقدم أن تغير الظروف والأوضاع الاقتصادية التي أبرمت في ظلها عقود تصدير الغاز المصري إلى الخارج أدى إلى تنامي شعور المجتمع المصري بالغبن وتزايد المطالبة بتعديل هذه العقود وأن هذه المطالبة تستند من الناحية القانونية إلى نظرية الظروف المتغيرة أو الطارئة، وهذا الاستناد صحيح لأن هذه النظرية تعترف بها الشريعة الإسلامية السمحة ومعظم القوانين الوضعية المقارنة، ومنها القانون المصري، ومفادها أنه في حالة تقلب الأسعار تقلباً غير عادي نتيجة لحدوث ظروف طارئة أدت إلى تغير الأوضاع الاقتصادية وترتب على ذلك أن تنفيذ الالتزام التعاقدي وإن لم يصبح مستحيلاً إلا أنه يرهق المتعاقد بخسارة فادحة تخل إخلالا جسيماً بالتوازن المالي للعقد وتقلب اقتصادياته فإنه يتعين في هذه الحالة أن يرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول كأن يعاد النظر في السعر المتفق عليه على النحو الذي يحول دون أن يصير تنفيذ العقد سبباً لخسارة فادحة وجسيمة تلحق بالمتعاقد. وسبق لمنظمة الأقطار المصدرة للبترول (أوبك) أن تبنت هذه النظرية في عقد الستينيات من القرن الماضي حيث استطاعت دول المنظمة بناء عليها أن تتفاوض مع الشركات النفطية الأجنبية العاملة في أقاليمها بهدف تعديل عقود الامتيازات النفطية المبرمة معها وانتهت المفاوضات إلى تحقيق بعض المطالب الجوهرية للدول الأعضاء في هذا الشأن وكان ذلك في حينه وظروفه نصراً مبيناً.
إنشرها