الاثنين, 10 أغسطس 2026|25 صَفَر 1448
الاقتصادية

نشوة ووعد الانتصار الانتخابي لباراك أوباما سيخففهما في وقت قريب، التصور الصارخ لضعف أمريكا وتراجعها، فالرئيس الجديد أمام قدر هائل من العمل إذا كان يريد ترميم الصورة الأمريكية الملطخة وإصلاح الفوضى المالية التي من المحتمل أن تكون الآن الأكثر دواماً التي خلفها سلفه.

والرئيس بوش، تنصبّ عليه الانتقادات على نحو صائب، إزاء إخفاقاته في السياسة الخارجية، وإشرافه على الاقتصاد الأمريكي كان كارثة، وتحت مراقبته، حول بوش فائض كلينتون عام 2000 البالغ 128 مليار دولار، وحلق الدين العام عالياً، وتدهورت البنية التحتية لأمريكا بشكل مخيف، وميزانية الدفاع تحت ضغط شديد.

هذه الحقائق الاقتصادية تطرح أمام أوباما تحديين كبيرين وهو يفكر في أجندته المحلية والسياسة الخارجية، فهناك أولاً المهمة الكبيرة جداً والمتمثلة في إصلاح نظام مالي غير فاعل والتصدي لعواقب ما يمكن اعتباره أسوأ ركود اقتصادي منذ ثلاثينيات القرن الماضي.

وأوباما الذي ينوء تحت ثقل التوقعات العالية بشكل غير واقعي سيكون أمامه فسحة مالية ضئيلة لتنفيذ إصلاحاته المحلية المقررة، التي من المحتمل أن تكون كنتيجة لذلك، أقل قابلية للتغيير مما يرغب هو أو مؤيدوه.

والبيئة الخارجية غير مبشرة بالخير، بالمقدار نفسه، للرئيس المبتدئ، فالهيمنة الاستراتيجية الأمريكية عززتها ريادة الأعمال وإنتاجية الشعب الأمريكي، لكن الفجوة الواسعة التي كانت ذات يوم تفصل الاقتصاد الأمريكي عن اقتصادات جميع الدول الأخرى أخذت تضيق، فهي تعيش فوق طاقتها معتمدة على رصيد دولة أخرى منذ مدة طويلة جداً.

وقوتها الاقتصادية تواجه الآن تحدياً ليس فقط من صعود الصين والهند، بل أيضا من روسيا المنبعثة، ودول الشرق الأوسط النفطية الثرية، ومن أوروبا الحازمة والأكثر ثقة.

وليس أي من هذه الدول، أو أي تكتل من الدول منافساً خطيراً لأمريكا حتى الآن، لكنها جماعياً تتحدى التسلط الأمريكي بطرق كان شيئاً لا يمكن تصوره قبل نحو عقد من السنوات، حين نعمت الولايات المتحدة بشمس "لحظتها أحادية القطبية" كقوة عظمى وحيدة في العالم. وتلك اللحظة مرت في التاريخ منذ زمن بعيد.

وعنوان الأحوال يتمثل في عدد الحكومات والشركات التي تشق طريقاً إلى أبواب صناديق الثروة السيادية الصينية والشرق أوسطية الحافلة بالأموال النقدية، والترتيب العالمي الجديد للنظام المالي بعيداً عن اعتماده السابق على "وول ستريت" والدعوات القوية بصورة متزايدة إلى إصلاح المؤسسات الدولية التي قامت الولايات المتحدة إلى حد كبير بصياغتها والسيطرة عليها منذ عام 1945.

وهناك الممثلون غير الدول الذين لا يدينون بأي ولاء لأي دولة، ويسيرون على وقع طبولهم المتضاربة، ومعظمهم ليسوا أصدقاء لأمريكا ويسعى كثيرون بنشاط إلى سقوطها، والقاعدة هي الأبرز، لكن هناك منظمات عديدة ذات عقلية مشابهة في كل أنحاء العالم تنوي تقويض قوة أمريكا وعزيمتها.

وهل يعني هذا أن الإمبراطورية الأمريكية على وشك أن تمضي في طريق كل الدول المهيمنة السابقة؟ ليس في الوقت الحاضر، وربما ليس خلال حياتنا، إذا استطاع أوباما أن يحشد المصادر التقليدية للقوة الأمريكية.

ويظل الاقتصاد الأمريكي البالغ 13 تريليون دولار أكبر اقتصاد في العالم وبهامش ملحوظ، وواشنطن تتفوق على كل الدول الأخرى في إنفاقها على الدفاع، وعلى الأبحاث والتنمية.

ومن ناحية سكانية، فإن الولايات المتحدة تجدد نفسها من خلال الهجرة على نطاق كبير ومعدلات الإنجاب الصحية، التي ستؤدي مع مرور الزمن إلى حفز الاقتصاد وتعميق القاعدة الضريبية وتوسيع منظومة المهارات في البلاد وتوفير مصدر مستمر من المجندين للجيش.

لكن، من أجل تحقيق هذه الإمكانات، فإن على أوباما أن يضمن أن يُمارس الأمريكيون ما يحضّون عليه، ويكونوا مثالاً في القيادة، وهذا يعني عودة إلى الاقتصاد في الأمور، وتقليص جبل الدين الخاص والعام واستعادة قوة أمريكا وسلطتها الأخلاقية في الخارج.

ويمكن للجانب الأخير أن يثبت أنه أمر صعب بصورة خاصة بسبب تعدّد وتعقيد تحديات السياسة الخارجية التي تواجه أمريكا وإضفاء الاستقرار على الصراعات المتردية والمترابطة في باكستان وأفغانستان سيستدعي دبلوماسية أكثر براعة مما كان واضحاً في الماضي القريب، واستراتيجية عسكرية وسياسية متماسكة وعالية والاستخدام الحكيم والذكي للقوة العسكرية حين تكون مطلوبة.

ويجب على الولايات المتحدة مرة أخرى أن تتعلم المشاركة في السلطة مع الدول الأخرى، وتتقبل أن مركز الجذب الاقتصادي والمالي قد تحول من النادي الودي لحلفاء مجموعة السبع إلى مجموعة العشرين الأكبر والأكثر تنوعاً، من الاقتصادات المتفوقة والنامية الأقل انقياداً للنفوذ الأمريكي.

وهذا سيستدعي تحولاً سلوكياً أصعب لكنه ضروري في واشنطن، وسيعارضه كثير من الأمريكيين. وإذا نجح أوباما في إعادة كتابة النص لإعطاء الولايات المتحدة دوراً قيادياً ولكن ليس مهيمناً في النظام العالمي الجديد الموعود به، لكن الناشئ حالياً، فعندها سيكون قد أظهر بشكل حاسم أن الولايات المتحدة سوف تبقى القوة التي لا مناص منها في العالم.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية