وجه مجلس الوزراء بأن تستمر أجهزة الدولة في متابعة تطورات الأزمة المالية العالمية بعناية تامة، وفي التصدي لأي تأثيرات سلبية قد تمس الاقتصاد الوطني، وبأهمية استمرار تنفيذ المشاريع التنموية التي يشهدها الاقتصاد السعودي منذ سنوات وتعزيز ما يتميز به من عوامل قوة وعافية، ومعدلات نمو جيدة بفضل الله. كما شدد المجلس على أن المملكة عازمة، بإذن الله، على الاستمرار في اعتماد مشاريع البنى التحتية وكل ما من شأنه زيادة الطاقة الإنتاجية للاقتصاد السعودي وتوفير بيئة آمنة لمزيد من الاستثمار فيه.
وفي تصريح سابق لمؤسسة النقد أفادت بأن نسبة القروض بلغت 116 في المائة من حجم الودائع الموجودة في الاقتصاد السعودي، والسؤال المطروح الآن من أين سيتم تمويل هذه المشاريع في ظل احتمال عدم قدرة البنوك على التوسع في الإقراض، نظرا لوصولها إلى نسب مرتفعة في الإقراض حسب المعايير العالمية والمحلية، وفي ظل عدم قدرتها أو قدرة الشركات الأخرى التي تحتاج إلى تمويل على إصدار سندات أو صكوك بأكثر من رأسمالها المدفوع حسب نظام وزارة التجارة – الذي من المؤكد أنه يحتاج إلى مراجعة في هذا الخصوص – وفي ظل انعدام التمويل من البنوك الخارجية، التي لديها مشكلاتها وتصارع من أجل البقاء.
وقد شهدنا خلال الأيام الماضية إيقاف بعض المشاريع في قطاع مهم لفترات مؤقتة، والخوف من انتقال العدوى لبقية القطاعات نتيجة شح التمويل، ما قد يتسبب في انخفاض نمو الاقتصاد المحلي وما قد يصاحب ذلك من تبعات فقد كانت البنوك سواء المحلية أو الخارجية تقوم بالمشاركة في تمويل مشاريع البنى التحتية سواء بشكل مباشر أو عن طريق تمويل مقاولي هذه المشاريع، حيث إن اعتماد الدفع من قبل الجهات الحكومية يكون على مراحل تنفيذ المشاريع، وكما هو معروف ما قد يصاحب ذلك من تأخيرات بيروقراطية، وبالتالي يتم الاعتماد بشكل كبير على التمويل المصرفي في تنفيذ المشاريع، سواء كانت مشاريع كهرباء أو مياه أو حتى إنشاء سدود وخلافه.
وفي ظل وجود تساؤلات عن قدرة البنوك المحلية على التوسع بشكل كبير في التمويل، بسبب وصولها إلى النسب القصوى في الإقراض، هذا بخلاف إعادة النظر في معايير الإقراض والمخاطر المتعلقة بذلك، وحتى في حال توافر سيولة لدى بعض البنوك، فسيتم توظيفها بأفضل الأسعار، وبالتالي زيادة التكلفة على هذه المشاريع، ومن الممكن أن يصبح بعضها غير مجد اقتصاديا، وهذا ينطبق على أنشطة القطاع الخاص كافة، التي يعتمد معظمها على التمويل المصرفي.. مما يطرح تساؤلا آخر عن أهداف السياسة المالية والنقدية الحالية، وهل توجد خطة لتقليص الاقتصاد مثلا لأسباب وجيهة؟ هل التضخم العامل الرئيسي في ذلك؟ وما رأي وزارة العمل في مثل هذا السيناريو في حال تقليص الاقتصاد المحلي، وبالتالي عدم وجود حاجة إلى تعيين موظفين جدد، وكيف يتماشى ذلك مع خطط السعودة التي تعد من أولويات الحكومة؟ هل ستقوم مؤسسة النقد بضخ الودائع في النظام المصرفي بشكل يساعد على التوسع في الإقراض بما يتماشى مع احتياجات التنمية الحالية؟ هل توجد لدى وزارة المالية خطة مالية للتعامل مع الأوضاع الحالية؟ نعم ولله الحمد لا توجد لدينا أزمة مالية حتى الآن، ولكن من الممكن أن توجد لدينا تحديات اقتصادية تنتج عنها مصاعب مالية، العالم تغير ونقاط الاشتباك أصبحت عديدة، وتداخل الأدوار أصبح واقعا، نقاط الارتباط أصبحت أقوى من ذي قبل، ولا يمكن الاستمرار في العمل بصمت والقطاع الخاص شريك أساسي في التنمية، ويتم بناء خطط القطاع الخاص من زيادة في الاستثمارات والتوسعات الرأسمالية، وزيادة العمالة بناء على السياسة المالية والسياسة النقدية والوضع الاقتصادي، ولم تصبح الأمور تدار بالبركة كما كانت في السابق، ولو أن البركة أثبتت حتى الآن أنها أفضل من أي خطط أخرى.
والسؤال لا يزال مطروحا على الجهات التنفيذية في الحكومة.. ما الخطة المقترحة؟ وهذا لا يشمل مؤسسة النقد ووزارة المالية فقط، ولكن يمتد لوزارة الاقتصاد ووزارة التجارة والصناعة ووزارة الكهرباء والمياه ووزارة الإسكان وغيرها، لذلك من الضروري تكوين فريق لمعالجة هذه الإشكالية من جميع هذه الجهات، إضافة إلى القطاع الخاص من بنوك وغرف تجارية للعمل على إيجاد آلية واضحة لهذا التحدي المالي والاقتصادي، والإعلان عنها بكل وضوح وشفافية، والتوقيت جيد خلال الفترة المقبلة عند الإعلان عن موازنة المملكة للعام المقبل، وها هي حكومة "الصين" قد سارعت بالتعهد بإنفاق 588 مليار دولار لتنشيط الطلب الداخلي للحفاظ على قوة دفع الاقتصاد، وها هي "اليابان" ثاني أكبر اقتصاد في العالم تعهدت برصد نحو 390 مليار دولار لإنعاش الإنفاق الاستهلاكي المحلي، وبالرغم من اختلاف اقتصادنا نوعا ما عن هذه الدول، ولكن لدينا عامل مشترك مهم هو اعتماد الاقتصاد على التصدير بشكل رئيسي، وبالتالي تحتاج هذه الاقتصاديات حاليا إلى محفزات وسيولة نقدية في ظل شبه الركود العالمي الذي يحيط بالأجواء، والسيولة متوافرة ولله الحمد، وتبقى لنا الخطة والإعلان عنها، بمعنى آخر كيف نفتح هذه السيولة في شرايين السوق لتدور أو تدب الحياة فيه حتى لا تتوقف، ليس فقط التنمية.. ولكن الحياة نفسها.
