هناك أماكن لا تكون مجرد عناوين على الخريطة، وبعض الأماكن تحمل في تكوينها معنى، وتمنح الأحداث التي تستضيفها ذاكرة تتجاوز يوم انعقادها. وفي الرياض، تبدو واحة الملك سلمان للعلوم واحدة من هذه الأماكن؛ مساحة يرتبط اسمها بالعلم والمعرفة، وتطل على مدينة تتغير بسرعة، وتتحول من مركز اقتصادي إقليمي إلى مدينة تتطلع إلى موقع متقدم في اقتصاد المستقبل.
في الرياض، حيث تتقاطع ذاكرة المكان مع طموح المستقبل، اختارت «الاقتصادية» واحة الملك سلمان للعلوم لتكون نقطة انطلاق أول منتدى سنوي لها حول الذكاء الاصطناعي.. اختيار يحمل معنى يتجاوز جدران القاعة إلى سؤال أكبر: كيف سيعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل اقتصادنا؟
من هنا تحديداً، اختارت «الاقتصادية» أن تبدأ حكاية جديدة. في الخامس من أكتوبر 2026، تستضيف الواحة النسخة الأولى من المنتدى السنوي للصحيفة، تحت شعار «اقتصادنا والذكاء الاصطناعي»، وبشراكة استراتيجية مع وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات.
يجمع المنتدى قادة أعمال وصناع قرار وخبراء سعوديين ودوليين لمناقشة دور الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل الاقتصاد ونماذج الأعمال وتحويل تطبيقاته إلى قيمة اقتصادية. لكن اختيار المكان لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً في برنامج المنتدى.
حين يتحدث المكان
في ظاهر المشهد، هناك صحيفة اقتصادية ومنتدى جديد وتقنية عالمية متسارعة.
وفي عمقه، هناك ثلاث كلمات يمكن أن تختصر القصة كلها:
المكان.. المعرفة.. المستقبل.
فالواحة تحمل اسم الملك سلمان، وترتبط في صورتها العامة بالعلم والمعرفة والتوعية العلمية. والرياض التي تحتضنها أصبحت خلال السنوات الأخيرة مسرحاً لتحولات اقتصادية وتقنية واسعة.
أما الذكاء الاصطناعي، فهو يمثل أحد أبرز العناوين التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة. لهذا، يبدو المشهد متكاملاً: من واحة مخصصة للعلم، يبدأ حوار حول التقنية التي تعيد تعريف الاقتصاد.
وكأن «الاقتصادية» أرادت أن تقول منذ اللحظة الأولى إن الذكاء الاصطناعي ليس ملفاً تقنياً منفصلاً عن الاقتصاد، بل أصبح جزءاً من بنيته الجديدة. فهي منذ تأسيسها في مطلع ديسمبر 1992 انتقلت إلى محطات مهنية مختلفة إلى أن وصلت إلى عالم التحول الرقمي، وخلال فترة وجيزة تحققت أعمال وإنجازات متنوعة رقميا، حيث نجحت في التحدي المطروح أمامها بمغادرة عالم الصحافة الورقية.

square
من «أداة» إلى اقتصاد كامل
قبل سنوات قليلة، كان الحديث عن الذكاء الاصطناعي في قطاع الأعمال يدور غالباً حول الأتمتة والبرمجيات وتحليل البيانات.
اليوم تغير السؤال.
لم يعد الأمر متعلقاً فقط بما تستطيع الآلة أن تفعله، وإنما بما تستطيع الشركات والاقتصادات أن تبنيه اعتماداً على هذه القدرات.
الذكاء الاصطناعي يدخل في صناعة القرار، وخدمة العملاء، وإدارة المخاطر، والتنبؤ بالطلب، وسلاسل الإمداد، والتصنيع، والخدمات المالية، والرعاية الصحية، والطاقة، والنقل، والإعلام.
وفي الوقت نفسه، تنشأ حوله قطاعات اقتصادية كاملة، من مراكز البيانات والحوسبة المتقدمة إلى أشباه الموصلات والحوسبة السحابية والأمن السيبراني والبرمجيات والخدمات الرقمية.
ومن هنا يصبح السؤال الاقتصادي أكثر اتساعاً:
هل نحن أمام تقنية جديدة، أم أمام بنية اقتصادية جديدة؟
هذا هو السؤال الذي تسعى «الاقتصادية» إلى فتحه من خلال منتداها الأول.
السعودية.. عندما يتحول الطموح إلى منظومة اختيار هذا الموضوع في السعودية يأتي في لحظة خاصة.
فالسعودية أعلنت 2026 عاماً للذكاء الاصطناعي، فيما تتسارع الجهود لبناء منظومة وطنية ترتبط بالبيانات والتقنية والابتكار والاستثمار.
وتبرز الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا» في قلب هذه المنظومة، إلى جانب مبادرات ومؤسسات أخرى تعمل على تطوير البنية الرقمية والقدرات الوطنية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
كما أن السعودية لا تتعامل مع التقنية باعتبارها قطاعاً معزولاً، بل باعتبارها أداة يمكن أن تمتد إلى قطاعات الاقتصاد المختلفة. وهذا يتضح في مشاريع ومبادرات ترتبط بالمدن الذكية، والخدمات الحكومية الرقمية، والطاقة، والصناعة، والنقل، والرعاية الصحية، والخدمات المالية.
وفي قطاع السيارات مثلاً، تكشف شركة «سير» (Ceer)، وهي مشروع مشترك بين صندوق الاستثمارات العامة و«فوكسكون»، عن صورة أخرى لكيف يمكن أن تتداخل التقنيات الحديثة مع بناء صناعات جديدة في السعودية. وقد كشفت الشركة في سبتمبر 2026 عن أول طرازين من مركباتها الكهربائية، مع خطط لإطلاق نماذج إضافية خلال السنوات المقبلة.
المثال هنا لا يتعلق بالذكاء الاصطناعي وحده، وإنما بالاقتصاد الجديد الذي تتقاطع فيه السيارات الكهربائية والبرمجيات والبيانات والاتصال والذكاء الاصطناعي والتصنيع.
من «نيوم» إلى الشركات.. الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف المدينة
وفي المشاريع الكبرى، تظهر الصورة بصورة أكثر وضوحاً. فالمدن والمشاريع الجديدة لم تعد تعتمد فقط على الخرسانة والطرق والمباني، وإنما على طبقات رقمية قادرة على إدارة الحركة والطاقة والخدمات والبيانات.
وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي يتحول تدريجياً من تقنية تعمل داخل جهاز أو تطبيق إلى بنية تحتية غير مرئية تعمل خلف الاقتصاد.
وهنا تتسع دائرة الأسئلة التي سيطرحها المنتدى:
كيف ستتغير الشركات السعودية؟
هل ستكتفي باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي الجاهزة، أم ستطور نماذج أعمال جديدة مبنية عليها؟
كيف ستتغير الوظائف؟
ما المهارات التي سيحتاج إليها الموظف السعودي؟
وأين تكمن فرص الاستثمار الجديدة؟
وكيف يمكن تحويل الإنفاق على التقنية إلى إنتاجية ونمو وقيمة اقتصادية؟
منتدى «الاقتصادية».. من الخبر إلى الحوار
منذ صدور عددها الأول في الأول من ديسمبر 1992، بنت «الاقتصادية» هويتها حول متابعة الاقتصاد والمال والأعمال والتحولات التي تؤثر في الأسواق والشركات. وتؤكد الصحيفة في تعريفها الرسمي أنها تركز على الأخبار الاقتصادية والتحليلات المالية والقطاعات المختلفة، مع حضور متزايد في الإعلام الرقمي.
اليوم، يأتي المنتدى ليضيف إلى هذا الدور مساحة للحوار. فبدلاً من الاكتفاء بتغطية أخبار الذكاء الاصطناعي، تفتح الصحيفة منصة لمناقشة أثره الاقتصادي.
ولهذا تضم أجندة المنتدى أسماء وخبرات دولية، من بينها أليكس أوسترفالدر، مبتكر مخطط نموذج العمل «Business Model Canvas»، ويواكيم دي فوس، مؤسس «TomorrowLab»، إلى جانب مشاركة ممثل عن مركز «imec» البلجيكي المتخصص في البحث والابتكار في الإلكترونيات النانوية والتقنيات الرقمية، بما في ذلك أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية.
كما يشارك خبراء سعوديون في جلسات تناقش تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الشركات السعودية وانعكاساتها على الاقتصاد والاستثمار ونماذج الأعمال.
السؤال الذي يهم قطاع الأعمال
ربما لا يكون السؤال الأهم في المرحلة المقبلة: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟
فهذا السؤال حُسم عملياً.
السؤال الأصعب هو:
كيف نستخدمه بطريقة تغير اقتصادنا وشركاتنا وإنتاجيتنا؟
الفرق كبير بين شركة تستخدم أداة ذكاء اصطناعي لإنجاز مهمة أسرع، وشركة تعيد بناء نموذج أعمالها بالكامل حول البيانات والخوارزميات والأتمتة.
والفرق أكبر بين اقتصاد يستهلك تقنيات الذكاء الاصطناعي، واقتصاد يستطيع تطويرها وتوطينها وبناء شركات وخدمات وصناعات حولها.
من هنا تأتي أهمية الحوار.
واحة العلوم.. شاهدة على لحظة جديدة
وفي النهاية، يعود المشهد إلى المكان. واحة الملك سلمان للعلوم. في الخارج مدينة الرياض، بكل ما تحمله من حركة واستثمار ومشاريع وتحولات. وفي الداخل، قاعة تستضيف نقاشاً حول واحدة من أكثر التقنيات تأثيراً في القرن الحادي والعشرين.
وبين الاثنين، صحيفة اقتصادية اختارت أن تجعل من هذه اللحظة بداية لمنتدى سنوي. بعد سنوات، قد تبدو هذه المناسبة في سجل «الاقتصادية» مجرد تاريخ: 5 أكتوبر 2026. لكن الصورة التي ستبقى أكثر وضوحاً هي صورة البداية:
واحة للعلوم، في قلب الرياض، تستضيف أول حوار ومنتدى اقتصادي لـ«الاقتصادية» حول الذكاء الاصطناعي.
لم يكن اختيار المكان مجرد اختيار لقاعة. كان اختياراً للرمز. فالواحة تمثل العلم، والرياض تمثل التحول، والذكاء الاصطناعي يمثل المستقبل.
وبين العلم والتحول والمستقبل، تبدأ «الاقتصادية» فصلاً جديداً من دورها الإعلامي: أن تراقب التحول، وأن تسأل عن أثره، وأن تفتح المنصة أمام من يصنعونه، وأن توثق لحظة انتقال الاقتصاد إلى عصر جديد.
ومن هنا تبدأ الحكاية. من واحة العلم .. إلى اقتصاد الذكاء الاصطناعي.
تعرف على منتدى الاقتصادية عبر الرابط
