الثلاثاء, 1 سبتمبر 2026|18 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية


تبدو قواعد الانضباط المالي في أوروبا اليوم أمام اختبار صعب، بعدما بدأت دول كانت لعقود رمزًا للتقشف في تجاوز الحدود التي طالما دافعت عنها.

ألمانيا، التي ارتبط اسمها بسياسة «حارسة التقشف» الأوروبية، كانت في مقدمة الدول التي ضغطت على اليونان خلال أزمة الديون السيادية في 2010، وتمسكت بقواعد صارمة لضبط العجز المالي، من بينها سقف الـ3% من الناتج المحلي الإجمالي. لكن العجز في الموازنة الفيدرالية الألمانية تجاوز هذا المستوى، ليصل إلى نحو 3.1% من الناتج المحلي.

ولا تقف المسألة عند برلين. ففرنسا تواجه عجزًا يتجاوز 5% من الناتج المحلي، فيما تواصل إيطاليا التعامل مع عبء دين عام ضخم يتجاوز 3 تريليونات دولار. وعلى الجانب الآخر من الأطلسي، تجاوز الدين العام الأمريكي 40 تريليون دولار، بينما يدور العجز المالي عند مستويات تتجاوز 6%.

هذه الأرقام تعكس تحولًا أوسع في المشهد المالي العالمي، حيث تتنافس الاقتصادات الكبرى على جذب المدخرات والسيولة عبر إصدارات ضخمة من السندات وبعوائد مرتفعة نسبيًا، في ما يمكن وصفه بـ«حرب على السيولة».

وتدفع هذه المنافسة الأسواق الناشئة إلى مواجهة تكلفة تمويل أعلى، خصوصًا مع ارتفاع علاوات المخاطر وتدفق رؤوس الأموال نحو الأصول الحكومية في الاقتصادات الكبرى، بما يضيّق مساحة الاقتراض أمام الدول النامية.

المفارقة أن المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لطالما ربطت برامج الدعم للدول المثقلة بالديون بإجراءات إصلاح مالي تشمل خفض العجز وتقليص الدعم وضبط الإنفاق.

لكن المشهد العالمي يطرح سؤالًا أكثر إلحاحًا: هل أصبحت قواعد الانضباط المالي أكثر صرامة على الدول الفقيرة منها على الدول الغنية؟

في النهاية، لا تكمن المشكلة في الاقتراض بحد ذاته، بل في اختلاف كلفة الاقتراض وهوامش المناورة. فالدول الكبرى تستطيع تمويل عجزها بعملاتها وبأسواق عميقة، بينما تواجه الدول النامية كلفة أعلى وخيارات أقل.

وهنا تتجسد المفارقة: الأغنياء يملكون مساحة للاقتراض، والفقراء يدفعون ثمن الاقتراض والتقشف معًا.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية