مع دخول شهر رمضان، يتحول شارع قابل في قلب جدة التاريخية غرب السعودية إلى مشهد نابض بالحياة، أضواء وزينة تتدلى بين الدكاكين المتراصة، بسطات رمضانية تعود إلى مواقعها القديمة، وأهازيج شعبية تتردد في الممر الذي لا يتجاوز طوله 77 مترا وعرضه نحو 7 أمتار، لكنه يحتضن أكثر من 3 قرون من الذاكرة التجارية.
في رمضان، لا يستقبل الشارع زواره فقط، بل يستعيد وهجه التاريخيّ ومكانته بوصفه نواة التجارة في الحجاز، انطلقت منه عائلات تجارية تحولت لاحقاً إلى كيانات مصرفية وعقارية واستثمارية مدرجة في السوق المالية.
حيث تتدفق العائلات والسياح وأبناء التجار إلى أروقته الضيقة لتجديد علاقتهم بالمكان واستحضار ذكرياته، وتزيين الشارع الذي يبدأ بمنتصف شعبان وعرض البسطات التي تحولت أخيرا إلى برحة القزاز نظرا لشدة الازدحام والإقبال على المنطقة.
يؤكد محمد مرزا نور، مالك محل ساعات وخردوات، أن الشهر الفضيل يُعد أفضل مواسم العام، إذ يجتمع سكان جدة وأجيال التجار لتبادل الأخبار واسترجاع البدايات، ومعرفة آخر مستجدات السوق، مشيراً إلى أن شارع قابل يُعد من أساس سوق جدة، مشيرا إلى أن شارع قابل يستقبل رمضان منذ القدم فمن منتصف شعبان تبدأ التجهيزات والحجوزات، ومع العشر الأولى من رمضان تبدأ بسطات البليلة والعصيرات والبطاطس، وخلال العشر الأواخر تتحول البسطات إلى بيع حلويات العيد، مع الأهازيج والعبارات المتوارثة في المنطقة منذ القدم.
يضم الشارع ما بين 58 و66 دكانا شكّلت نقطة الانطلاق لعائلات تجارية كبرى، تحولت من دكاكين صرافة صغيرة إلى كيانات مصرفية بارزة، من بينها البنك الأهلي التجاري وبنك البلاد الذي انبثق من أعمال الصرافة التي أسسها الأخوان عبدالله ومحمد السبيعي في الشارع ذاته قبل أن يتحول إلى مؤسسة مصرفية متكاملة.
رغم اتساع استثمارات تلك العائلات، ما يزال الشارع محتفظاً بطابعه القديم، فبعض المحلات لا تتجاوز مساحتها 20 مترا مربعا بأبوابها الضيقة التي تُبرز شكل السوق قديما، فيما أصبحت محلات الذهب تستحوذ على أكثر من 50% من الأنشطة الحالية، إلى جانب الخردوات والمكسرات والساعات، مستهدفة الزوار الجدد من السياح.
بحسب مستثمرين في الشارع، يبلغ متوسط الإيجار حاليا نحو 100 ألف ريال سنويا لمساحة نحو 78 مترا مربعا، ونحو 40 ألف ريال للمساحات بين 20 و40 مترا، في مؤشر على القيمة التجارية والسياحية التي ما يزال شارع قابل يحتفظ بها في قلب جدة التاريخية.

من 77 مترا إلى إمبراطوريات تجارية
قال رجل الأعمال إبراهيم بن الشيخ عبدالله السبيعي: إن لعائلته دكان صرافة في الشارع باسم “شركة عبدالله ومحمد الصيرفي للتجارة والصرافة”، وما يزال المحل مملوكاً للعائلة حتى اليوم، رغم إغلاقه قبل 8 سنوات ضمن تطوير المنطقة.
أشار إلى أن أغلب العاملين في الشارع آنذاك كانوا صرافين، قبل أن تتحول أعمالهم إلى كيانات مصرفية واستثمارية كبرى، مؤكداً أن بنك البلاد يمثل اليوم البوابة الرئيسية لتجارتهم إلى جانب توسعهم في العقار والأسهم والسياحة والقطاع السمكي.

من دكان فاكهة إلى أسطول وطني
في الجانب التجاري، أكد فهد سحيم الغامدي أن شارع قابل كان نقطة انطلاق تجارة عائلته التي بدأت بدكان صغير باسم “ملك الفاكهة سحيم”، ليتحول لاحقاً إلى شركة “ثلاجة النخيل” بأسطول توزيع يغطي مناطق السعودية.
أوضح أن عمر المحل يتجاوز 75 عاما، مشيرا إلى أن مسيرة العمل مرت بعدة محطات داخل جدة نظرا للتوسع العمراني، قبل أن تستقر في المواقع الحديثة التي تدير عمليات الاستيراد والتوزيع واسعة النطاق.
بين الغامدي أن الدكان استقبل في بداياته شخصيات بارزة، ما يُظهر مكانة الشارع التجارية والاجتماعية، مؤكداً أن ما بدأ من دكان صغير في شارع قابل أصبح اليوم كيانا تجاريا يسهم في دعم الأمن الغذائي الوطني.
إرث الصرافة وتحوله إلى استثمارات عقارية
المهندس أنس الصيرفي بيّن أن والده الشيخ صالح حمزة الصيرفي كان يملك دكانا للصرافة في شارع قابل ضمن مجموعة الصيارفة المتجاورين، وأن المصرف أُسس قبل أكثر من 75 عاما، قبل أن يتم دمج نشاط الصيارفة في بنك البلاد، حيث كان الشيخ صالح من مؤسسيه.
أضاف أن استثمارات الأسرة اليوم تمتد إلى التطوير العقاري وبناء مراكز التسوق، من بينها مشروع “جدة بارك” بتكلفة تتجاوز 3 مليارات ريال، إضافة إلى الضيافة والخدمات الصحية والاستثمار في الأسواق المالية، في تحول يُبرز انتقال العائلة من دكان صرافة صغير إلى كيان استثماري متنوع.

شارع جمع المحلي والعالمي
لم تقتصر الحركة التجارية على العائلات المحلية، بل استقطب الشارع مستثمرين أجانب، من بينهم التاجر اليوناني الذي افتتح أول بقالة مختصة في الأجبان وزيت الزيتون في أحد أركانه، في دلالة على الطابع العالمي المبكر للحركة التجارية في المكان.
تطوير مبكر رسّخ المكانة


