الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الجمعة, 10 أبريل 2026 | 22 شَوَّال 1447
Logo

متحف الذهب الأسود .. حكاية تبدأ من باطن الأرض وتنتهي على موائد الطعام

أفنان عبدالله
أفنان عبدالله من الرياض
الخميس 9 أبريل 2026 16:11 |4 دقائق قراءة
متحف الذهب الأسود .. حكاية تبدأ من باطن الأرض وتنتهي على موائد الطعام

"هل نأكل النفط؟" سؤال يبدو للوهلة الأولى أقرب إلى المبالغة، لكنه يتحول إلى حقيقة ملموسة مع أولى خطواتك داخل متحف "الذهب الأسود" في الرياض. هنا، لا يُعرض النفط كمجرد مادة سوداء تُستخرج من باطن الأرض، بل كعنصر متغلغل في تفاصيل الحياة اليومية، من الغذاء إلى الملابس، ومن الأدوات البسيطة إلى أعقد الصناعات. إنها رحلة معرفية تعيد تشكيل علاقة الإنسان بالنفط، وتدفع الزائر لإعادة التفكير في حضوره الخفي في كل ما يحيط به.

تبدأ الرحلة من قاعة "اللقاء"، حيث يعود الزائر إلى البدايات الأولى لاكتشاف النفط، ويتعرف على أصوله وتركيبته الجيولوجية. ثم ينتقل إلى قاعة "الأحلام"، التي تجسد التحولات الكبرى التي أحدثها النفط، وكيف أسهم في صناعة حياة أكثر سهولة ورفاهية. غير أن السرد لا يكتفي بهذا الجانب المشرق، إذ تقودك قاعة "الشكوك" إلى الوجه الآخر، حيث تُعرض التأثيرات البيئية والمخلفات الناتجة عنه. وفي "الرؤى"، تتقاطع الفنون مع الأبحاث والتكنولوجيا، لتفتح آفاقًا جديدة حول مستقبل الطاقة وإمكاناتها.

111

وخلال هذه الرحلة الاستكشافية، يكتشف الزائر أن النفط حاضر حتى في أبسط تفاصيل يومه، بدءًا من موائد الطعام. ففي عمل فني تفاعلي يحاكي آلة القهوة، تتحول ضغطة زر واحدة إلى شبكة معقدة من العمليات المتداخلة. خطوط مضيئة تمتد عبر الجدار، تبدأ من استخراج النفط وتكريره، ثم تتشعب إلى الزراعة والنقل والتحميص والتغليف، وصولًا إلى فنجان القهوة. هذا التسلسل البصري يكشف بوضوح كيف تتداخل مشتقات النفط في كل مرحلة من مراحل الإنتاج، محولًا تجربة يومية بسيطة إلى قصة صناعية طويلة تبدأ وتنتهي بالنفط.

وفي هذا السياق، يؤكد مدير المتحف جاك برسيكان أن "النفط ليس مجرد مصدر للطاقة، بل هو جزء من كل ما نستخدمه تقريبًا"، مضيفًا: "نحن نأكل ونشرب ونتنفس ونلبس ونمشي بترول".

ويوضح أن مشتقات النفط تدخل في الأسمدة والمبيدات الزراعية، ما يجعلها جزءًا من إنتاج الغذاء، كما تُستخدم في تغليف المواد الغذائية ونقلها. ولا يتوقف الأمر عند ذلك، إذ تمتد استخداماته إلى القطاع الطبي، حيث يعتمد عديد من الأدوية والمعدات على مكوناته، ما يجعل وجوده ركيزة أساسية في حياة الإنسان المعاصر.

وأضاف أن "المتحف يسعى إلى تقديم النفط من منظور إنساني، يركز على تأثيره في تطور البشرية، وليس فقط في إنتاجه واستخدامه".

1111

من خلال 350 عملا فنياً لفنانين سعوديين وعالميين يتحول النفط من مادة سوداء إلى ذهب في جميع ألوانه وأشكاله يدرك من خلالها الزائر كيف أن النفط جزء لا يتجزأ من الحياة اليومية، وأهمية هذه المادة وما تخلفه وتأثيره البيئي خصوصا المنتجات البلاستيكية التي لا تتحلل بسهولة.

وفقا لبرسيكان فإن من أهداف المتحف الجانب التوعوي بهدف تعزيز وعي الشباب بأهمية الحفاظ على البترول باعتباره موردًا محدودًا، وتشجيعهم على توجيه استخدامه نحو المجالات التي لا بديل لها، مقابل التوسع في استخدام مصادر طاقة بديلة في القطاعات الأخرى. إضافة إلى الوعي بترشيد الاستهلاك، خاصة فيما يتعلق باستخدام البلاستيك وعدم التعامل معه كمورد غير محدود أو التخلص منه بشكل يضر بالبيئة، كما يحفّز الشباب على المبادرة واختيار تخصصات تدعم الاستدامة، بما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد والتنمية.

11

في عمل للفنان السعودي أحمد ماطر أطلق عليه اسم "تطور الإنسان" يعرض رؤية حول العلاقة بين الإنسان وأحد منتجات النفط، وهو الوقود، حيث يبدأ العمل بصورة مضخة الوقود، ثم تتحوّل تدريجيًا لتشكل صورة إنسان يقتل نفسه، بطريقة تتداخل فيها أشكال المضخة مع جسم الإنسان وخرطوم المضخة مع المسدس.

العمل يركز على توضيح التناقض بين الفائدة الاقتصادية للبنزين، الذي يغذي النشاط اليومي والاقتصادي، وبين تأثيراته البيئية والصحية المدمرة، التي قد تصل إلى حد التهديد بحياة الإنسان.

لذلك يسلط المتحف الضوء على الجانب التوعوي بطريقة فنية مبتكرة تصل إلى عقول الشباب بسهولة، إذ أوضح بيرسكان أن العائد المادي لا يُعد أولوية، بل يأتي في مرتبة ثانوية، حيث ينصب تركيز المتحف على دوره التثقيفي والتعليمي. ولهذا، تم إتاحة الدخول مجانًا، بهدف توسيع دائرة الوعي والوصول إلى أكبر شريحة ممكنة من الزوار.

ويرى أن الدور التعليمي يحقق مردودًا من نوع آخر، يتمثل في رفع مستوى الوعي المجتمعي، حول أهمية النفط وتداخله في مختلف تفاصيل الحياة، ما ينعكس على سلوك الأفراد، سواء من خلال ترشيد الاستهلاك أو إعادة التفكير في استخدام الموارد، وتوجه الأجيال الجديدة لمجالات تسهم في الحفاظ على هذا المورد، وتطوير استخداماته، خصوصًا في القطاعات التي لا بديل فيها للمواد البترولية، مقابل التوسع في استخدام بدائل الطاقة في المجالات الممكنة، وهذا الدور لا يقل أهمية عن أي عائد اقتصادي مباشر، بل - على المدى الطويل - من أحد أهم روافد الاقتصاد والتنمية.

في النهاية، يعود السؤال مجددًا: "هل نأكل النفط؟" قد لا يُقدم النفط على المائدة بصورته الخام، لكن رحلته الطويلة من باطن الأرض إلى تفاصيل الحياة اليومية تجعله أقرب إلى الإنسان مما يتخيل. وهنا، لا يصبح السؤال عن وجوده، بل عن مدى وعينا بحدوده، وأهميته، وتأثيره في مستقبلنا.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية