الخميس, 8 أكتوبر 2026|25 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

تتربع منطقة آسيا والمحيط الهادئ على عرش صناعة الطيران أكثر الأسواق ازدحاماً وحركة في العالم، إلا أن هذه الريادة الاستثنائية تصطدم اليوم برياح عدم يقين معاكسة حول مستقبل القطاع، مدفوعة بتعقيدات جيوسياسية متفاقمة تلتهم هوامش الأرباح وتعيد رسم خريطة الفائزين والخاسرين.

أظهرت أحدث البيانات الصادرة عن مؤسسة "أو إيه جي" المتخصصة في بيانات السفر، والمقدمة خلال المؤتمر السنوي لمركز طيران آسيا والمحيط الهادئ "كابا"، نقلا عن صحيفة "نيكاي آسيا"، أن المنطقة استحوذت وحدها على 7 من أصل أكثر 10 مسارات جوية دولية ازدحاماً في العالم من حيث سعة المقاعد. وجاء في مقدمة الترتيب الخط الرابط بين مطار إنتشون في كوريا الجنوبية ومطار ناريتا في طوكيو بنحو 558 ألف مقعد مجدول، تلاه خط هونج كونج–تايبيه، ثم القاهرة–جدة في المركز الثالث، ثم خط إنتشون–أوساكا، يليه كوالالمبور–سنغافورة.

ولم تقتصر الهيمنة على الرحلات الدولية، فباستثناء مسار جدة-الرياض، كانت جميع المسارات الـ10 الأولى تقع ضمن هذه المنطقة، وتصدرها المسار الرابط بين جزيرة "جيجو" ومطار "جيمبو" في سيؤول، تلاه مباشرة مسار "هانيدا-تشيتوسي". وفي ذيل القائمة، ظهر مساران محليان صينيان يربطان مطار "شنجهاي هونجتشياو" بكل من مطار بكين العاصمة ومدينة شنتشن.

وتوج هذا الزخم بإنجاز غير مسبوق، حيث انتزع مطار إنتشون الدولي صدارة أكثر مطارات العالم ازدحاماً بالمسافرين الدوليين في النصف الأول من العام، مسجلاً 38.39 مليون مسافر، بزيادة سنوية بلغت 6%، متجاوزاً كلاً من مطار "هيثرو" في لندن، الذي سجل 37.79 مليون مسافر، ومطار "شانجي" في سنغافورة بـ 34.53 مليون مسافر.

أمام هذا الطلب القوي، انخرطت الناقلات الإقليمية في سباق محموم لتوسيع أساطيلها. وأبرمت الخطوط الجوية الكورية صفقة تاريخية هي الأكبر في مسيرتها لشراء 103 طائرات من شركة "بوينج" الأمريكية بقيمة 36.2 مليار دولار، تمهيداً لاندماجها المرتقب مع "آسيانا إيرلاينز". وفي المقابل، تواصل "إيرباص" الأوروبية ترسيخ نفوذها بطلبيات بلغت 582 طائرة في المنطقة، من بينها 417 طائرة لشركات صينية، فضلاً عن طلبية إضافية أعلنتها خطوط "بيمان بنجلاديش" لعشر طائرات جديدة.

لكن خلف هذه الأرقام البراقة، تتوارى خمس معضلات جيوسياسية كبرى تهدد استقرار السوق، كما يوضح خبراء. خلال فعاليات مؤتمر "كابا"، استعرض أدريان سكوفيلد، كبير محرري شؤون النقل الجوي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ بمجلة "أفييشن ويك"، خمسة عوامل جيوسياسية رئيسية قد تؤثر في السوق.

تتمثل المعضلة الأولى في التوترات بين واشنطن وبكين. فعلى الرغم من القمم الدبلوماسية، لا تزال السعة الجوية بين أكبر اقتصادين في العالم تقبع عند 30% فقط من مستويات ما قبل الجائحة، وسط غياب الاتفاقات لتسيير رحلات جديدة أو تأكيد طلبيات الطائرات المتوقعة. فعندما زار ترمب بكين في مايو، تعهد الجانب الصيني بطلب 200 طائرة جديدة من "بوينج"، لكن لم يرد أي ذكر علني لقطاع الطيران خلال القمة الثانية التي جمعتهما في واشنطن الشهر الماضي. وقد استغلت ناقلات إقليمية أخرى هذه الفجوة لتعويض النقص، لا سيما الشركات الكورية.

أما المعضلة الثانية فتكمن في التدهور السريع للعلاقات الصينية اليابانية في أعقاب تصريحات طوكيو بشأن أزمة تايوان. فقد قلصت شركات الطيران الصينية رحلاتها ردا على التصريحات وتسببت في انهيار أعداد السياح الصينيين لليابان. وقد تكبدت ناقلات مثل "سبرينج إيرلاينز" خسائر حادة في الأرباح نتيجة تراجع الطلب على هذا المحور الحيوي، حيث سجلت الشركة انخفاضاً 11% في صافي أرباحها خلال النصف الأول من العام.

وتبرز الحرب الروسية الأوكرانية عائق ثالثا، إذ أدى إغلاق الأجواء الروسية أمام الطائرات المؤيدة لكييف إلى حرمان الناقلات الآسيوية، وخاصة اليابانية والكورية، من التحليق فوق سيبيريا، فارضاً مسارات أطول وأكثر استنزافاً للوقود بين آسيا وأوروبا.

وتتفاقم الأوضاع مع التوترات العسكرية المرتبطة بإيران وتهديد حركة الملاحة في مضيق هرمز، والتي قفزت بأسعار وقود الطائرات إلى مستويات مرهقة لم تنج من آثارها سوى الشركات التي انتهجت سياسات تحوط استباقية ضد أسعار الوقود مثل طيران "كاثي باسيفيك".

وتكتمل حلقة العوائق بالأزمة المستمرة بين الهند وباكستان، واستمرار إغلاق المجال الجوي الباكستاني أمام الطيران الهندي، ما يفرض تحويلات مكلفة للمسارات الجوية.

تسببت هذه العوامل مجتمعة، بجانب هبوط العملات الآسيوية أمام الدولار الذي تسعر به معظم التكاليف التشغيلية، في تباطؤ نمو حركة السفر مؤخراً. وأطلق اتحاد شركات طيران آسيا والمحيط الهادئ تحذيرات من مرحلة رخوة قادمة.

وبحسب سكوفيلد، يظل قطاع الطيران في المنطقة رهيناً لتقلبات خارجية تتجاوز قدرته على التحكم، حيث لن تكفي صدارة سعة المقاعد وحدها لحماية أرباح الناقلات ما لم تجد هذه الأزمات الجيوسياسية المتراكمة طريقاً للتهدئة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية