رغم الدعم الذي تتلقاه من الحكومة، فإن النزل الريفية في السعودية تصطدم بواقع متعثر من ضعف الإشغال والتمويل، إلى التراخيص المعقدة والبنية التحتية الضعيفة، ما يجعلها تواجه اختبار البقاء، بحسب مختصين ومستثمرين تحدثوا لـ"الاقتصادية".
أكدوا أن الواقع يكشف فجوة واسعة بين الطموحات المعلنة وما يحدث فعلياً على الأرض، حيث تعاني النزل والمشاريع الريفية من تعثرات تنظيمية وتشغيلية وتمويلية تهدد بتحويل كثير من هذه المشاريع إلى استثمارات هشة أو متوقفة، رغم التوقعات بإضافة 75 ألف غرفة فندقية وتحقيق إيرادات تصل إلى 7 مليارات ريال بحلول 2030.
خلال السنوات الأخيرة، تحولت السياحة الريفية إلى أحد المسارات التي تراهن عليها الجهات المعنية ضمن خطط تنويع الاقتصاد، مستفيدة من تنامي الطلب على التجارب الطبيعية والثقافية، إلا أن هذا التوسع لا يزال يصطدم بعقبات جوهرية تتعلق بضعف البنية التحتية، وتعقيد التراخيص، وغياب النماذج التشغيلية المستدامة.
اهتمام رسمي بالسياحة الريفية
كانت وزارة السياحة قد أعلنت خلال 2021 إطلاق إطار تنظيمي للنزل الزراعية والريفية، ضمن توجه يستهدف تنويع أنماط الإيواء السياحي وتطوير السياحة الريفية في السعودية، بما يسمح بتحويل المزارع والبيوت الريفية إلى مرافق ضيافة مرخصة وفق اشتراطات محددة، في خطوة هدفت إلى رفع جودة التجربة السياحية وتنظيم الاستثمار في هذا النوع من المشاريع.
وكانت شركة دان التابعة لصندوق الاستثمارات العامة قد أطلقت في أكتوبر الماضي، علامة ضيافة باسم "سلان"، لتمكين ملاك المزارع من تحويل مزارعهم إلى وجهات سياحية للمرة الأولى.
يعكس اهتمام السعودية بالسياحة الريفية توجها نحو تحويل المزارع والمواقع الزراعية إلى وجهات سياحية واقتصادية مستدامة، ضمن مساعي تنويع أنماط الإيواء والتجارب السياحية في السعودية.
برز هذا التوجه عبر زيارة وزير السياحة أحمد الخطيب لعدد من الوجهات الريفية في عسير والقصيم، التي تضم مرافق وتجارب مرتبطة بالمزارع والمنتجات المحلية، حيث اطلع على المشاريع الريفية والأنشطة الزراعية والسياحية المصاحبة، في مؤشر على الاهتمام بتطوير هذا النوع من الوجهات وتحويله إلى منتج سياحي يدعم الاقتصاد المحلي بالمناطق الريفية.
طلب متزايد.. وعوائد محدودة
رغم تأكيد المختصين وجود اهتمام متنامٍ بالنزل الريفية، فإن الأرقام المتداولة حول نسب الإشغال والعوائد الاستثمارية تعكس واقعاً أقل تفاؤلاً مما يُطرح إعلامياً.
قال المستشار السياحي والخبير في السياحة الريفية والسياحة المتجددة محمد مرغلاني، إن كثيرا من السياح باتوا يبحثون عن تجارب مرتبطة بالطبيعة والثقافة المحلية، مشيراً إلى أن مناطق مثل الأحساء تمتلك مقومات كبيرة لكنها لا تزال بحاجة إلى تطوير حقيقي للمرافق والتجارب المؤهلة لاستقبال الزوار.
لكن مرغلاني أقر في الوقت ذاته بأن النزل الريفية في السعودية لا تزال "في مرحلة مبكرة" من حيث التنظيم والانتشار، وهو توصيف يعكس حجم الفجوة بين التوسع المأمول والجاهزية الفعلية.
أما رئيس الإرشاد السياحي بعسير زكي العريفي، فأوضح أن النزل الريفية حققت حضوراً محدوداً في بعض المناطق مثل عسير والطائف والباحة، لكنها ما تزال أقل تطوراً مقارنة بأنواع الإيواء الأخرى، مؤكداً أن نسب الإشغال والعوائد تختلف بشكل كبير من منطقة لأخرى بحسب جودة الخدمات والبنية التحتية.
وفي مؤشر على محدودية الجدوى الاقتصادية لبعض المشاريع، أشار خالد الشايع، مدير قطاع السياحة الداخلية في وكالة النخبة للسفر، إلى أن نسب الإشغال في بعض النزل لا تتجاوز 50% حتى مع تنامي المواسم السياحية، ما يثير تساؤلات حول قدرة هذه المشاريع على تحقيق الاستدامة المالية خارج فترات الذروة والإجازات.
نماذج عالمية تدعم الاقتصاد الريفي
كما توسعت دول مثل فرنسا وإسبانيا وسويسرا في تطوير هذا النوع من الإيواء ضمن توجه عالمي متزايد نحو السياحة المستدامة والتجريبية، وما يرتبط بها من فرص اقتصادية وتنموية للمجتمعات الريفية والزراعية، إلى جانب توفير فرص عمل مرتبطة بالضيافة والمنتجات المحلية والحرف التقليدية وتعزيز الإنفاق السياحي خارج المدن الكبرى.
مزارع تتحول إلى مشاريع متعثرة
الرهان على تحويل المزارع إلى وجهات سياحية يبدو جذاباً نظرياً، لكنه يواجه على أرض الواقع تحديات معقدة تجعل كثيرا من المستثمرين والأفراد يترددون في خوض التجربة أو يستنزفون أموالهم دون عوائد مستقرة.
فبحسب مرغلاني، فإن كثيرا من المزارع أصبحت قليلة الاستغلال نتيجة تغير اهتمامات الأجيال الجديدة، ما دفع البعض لمحاولة تحويلها إلى نزل أو مشاريع ريفية. إلا أن هذا التحول لا يضمن النجاح تلقائياً، خصوصاً مع غياب الخبرات التشغيلية وضعف التسويق المتخصص وارتفاع تكاليف التطوير.
ورغم الحديث عن تنوع زراعي وجغرافي يمنح كل منطقة فرصة لتقديم تجربة مختلفة، من مزارع الزيتون في الجوف إلى الورد الطائفي والنخيل في الأحساء والمانجو في جازان، إلا أن معظم هذه المواقع ما تزال تفتقر إلى البنية السياحية الاحترافية القادرة على تحويل المزارع إلى منتجات اقتصادية مستدامة.
وقال راضي الفريدي، رئيس مجلس إدارة جمعية السياحة الزراعية والريفية “ريفنا”، إن الطلب يرتفع خلال الإجازات ونهاية الأسبوع فقط، ما يعكس موسمية واضحة في النشاط السياحي الريفي، وهي مشكلة تواجه غالبية المشاريع الصغيرة التي تعتمد على مواسم محدودة لتحقيق دخلها السنوي.
تعقيد التراخيص وشح التمويل
أبرز أوجه الإخفاق في قطاع النزل الريفية يتمثل في البيئة التنظيمية المعقدة، حيث يواجه المستثمرون سلسلة طويلة من الإجراءات المتداخلة بين عدة جهات حكومية.
وأوضح عبدالمحسن البقمي، رئيس مجلس إدارة جمعية نجوم السياحة، أن كثيرا من المزارع لا تمتلك صكوكاً إلكترونية أو تكون بصكوك مشاعة، ما يمنعها من الحصول على التراخيص اللازمة لتشغيلها سياحياً.
كما أشار مرغلاني إلى أن تعدد الجهات المرتبطة بالمشاريع الريفية خلق حالة من الضبابية الإجرائية التي أربكت المستثمرين وأبطأت نمو القطاع.
ولا تقف العقبات عند التراخيص فقط، بل تمتد إلى التمويل، حيث يعاني كثير من أصحاب المزارع من ضعف السيولة وغياب برامج التمويل الميسرة، في وقت تتطلب فيه مشاريع النزل الريفية استثمارات مرتفعة في البنية التحتية والتشغيل والتسويق.
كما يواجه القطاع نقصاً في الكوادر المؤهلة والخدمات المساندة، إضافة إلى ضعف الحملات التسويقية القادرة على إبراز هوية كل منطقة بشكل مستقل، ما يجعل كثيرا من المشاريع متشابهة وفاقدة للتميّز التنافسي.
بين الوعود والواقع
رغم الحديث المتكرر عن "مستقبل واعد" للسياحة الريفية، فإن نجاح هذا القطاع سيظل مرهوناً بمعالجة التحديات الأساسية التي تعيق المستثمرين، وفي مقدمتها البنية التحتية، وتوحيد الإجراءات، وتسهيل التراخيص، وتوفير التمويل والتأهيل المهني.
فالطلب على السياحة الطبيعية والثقافية موجود بالفعل، لكن تحويله إلى صناعة مستدامة يتطلب أكثر من مجرد افتتاح نزل متناثرة أو تحويل مزارع إلى مواقع إقامة موسمية.
وفي ظل استمرار التعقيدات الحالية، تبدو كثير من المشاريع الريفية أقرب إلى تجارب فردية محدودة، تعيش على المواسم والإجازات، أكثر من كونها قطاعاً اقتصادياً مستقراً قادراً على تحقيق التحول السياحي المأمول.





