عمل الأمريكي أنجوس جي في شركة عمه النفطية لمدة 10 سنوات لكنها أفلست فوجد نفسه في النهاية مشرد لا يملك سوى قطعة أرض بين مدينتي دالاس وفورت وورث بتكساس، وبدلا من تحويلها إلى مجمع صناعي كما خطط سابقا قرر الرهان على "المرح" فحولها إلى مدينة ألعاب اختار لها اسم "تكساس تحت 6 أعلام" فاعترضت زوجته التي اتفقت معه لاحقا على "سكس فلاجز فوق تكساس"، وهو اسم الشركة التي تأسست بالفعل في 1961 وبلغت قيمتها التسويقية الآن 1.56 مليار دولار كما احتلت المرتبة الخامسة عالميا بين أكبر مشغلي المنتزهات الترفيهية بعدد زوار وصل إلى 50 مليون زائر سنويا.
قبل أيام شهدت الرياض افتتاح "سكس فلاجز" فرعها الجديد في مدينة القدية الترفيهية وهو أول فرع في الشرق الأوسط بل وخارج أمريكا الشمالية كلها بتكلفة وصلت إلى نحو مليار دولار، وحجم زوار متوقع أن يصل إلى 2 مليون زائر سنويا خاصة أن الفرع الجديد يضم 6 عوالم مختلفة و28 لعبة بينهم "فالكون فلايت" أعلى وأسرع وأطول قطار إفعواني في العالم.
الرياض .. بوابة عبور الترفيه العالمي
اختيار الرياض لتكون بوابة عبور "سكس فلاجز" للشرق الأوسط جاء بالتزامن مع الإعلان الرسمي عن مشروع القدية في 2018، وتم توقيع عقود الإنشاء في 2021 بقيمة 3.75 مليار ريال سعودي في خطوة عدها خبراء كثيرون "صفقة رابحة" لكل الأطراف، فمن ناحية وجود الشركة العالمية في السعودية يتماشى مع رؤية 2030 التي تستهدف رفع مساهمة قطاعي السياحة والترفيه في الناتج المحلي، وبالنسبة لـ"سيكس فلاجز" تعد السعودية هي السوق الأضخم للمتنزهات في الشرق الأوسط إذ بلغت أرباح هذا القطاع 2.38 مليار دولار في 2024 مع توقعات بمعدل نمو سنوي يصل إلى 6.4% وفقًا لشركة الأبحاث الأمريكية "جراند فيو ريسرش".
قبل تلك الخطوة مرت "سكس فلاجز" بتحديات عديدة أبرزها لحظة التأسيس نفسها إذ كان "أنجوس" لا يمتلك سوى قطعة الأرض فقط ولجأ إلى البنوك لاقتراض 10 مليون دولار قيمة المشروع آنذاك، ورغم تحذيرات المقربين منه بسبب ضخامة المبلغ أكمل الرجل مغامرته مطبقًا نظرية الروائي الروسي الشهير ديستويفسكي "لا شيء لدي لأخاف خسارته".
أنجوس يقود ثورة الترفيه
كيف يمكن منافسة ديزني لاند؟ سؤال آخر جسد تحديا كبيرا لدى "أنجوس" الذي اضطر إلى صياغة مفهوم جديد للمتنزهات الترفيهية من خلال "سكس فلاجز" الذي تم تقسيمه إلى 6 مناطق كل منطقة تمثل دولة حكمت تكساس تاريخيا مثل "إسبانيا – فرنسا – المكسيك" وغيرهم، لتتحول مدينة الألعاب في النهاية إلى ساحة لسرد تاريخ المكان نفسه.
مع ذلك يبقى أكبر تحدي خاضه "أنجوس" هو ابتكار "التذكرة الشاملة" إذ كان النظام المتبع آنذاك الدفع لكل لعبة بمفردها حتى تم افتتاح "سكس فلاجز" وأصبح لدى الزائرين تذكرة واحدة تمكنهم من لعب ما يريدون، ورغم التخوفات من فشل الفكرة لكنها تحولت إلى عامل رئيسي في جذب مليون زائر في أول عام ما كفل له تسديد الديون، خاصة أن "أنجوس" لم يتبع أسلوب "ديزني لاند" في السرد القصصي للألعاب بل اعتمد أكثر على الإثارة وهذا ما جعل البعض يصفون أفكاره بـ"ثورة المتنزهات الترفيهية".
بثورته الجديدة اكتسح رجل النفط المفلس قطاع المتنزهات الترفيهية خلال أكثر من نصف قرن، فشهدت حقبة السبعينيات بداية التوسع وافتتاح فروع كثيرة في أمريكا وكندا والمكسيك، واعتمد في تلك الفترة على نموذج الشراء بدلًا من البناء فاستحوذ على مدن ألعاب قائمة بالفعل وضمها إلى شركته، كما ركز أكثر على الألعاب الميكانيكية والأفعوانية ما جعله يبتعد عن منافسة ديزني لاند من ناحية، ومن ناحية أخرى يصنع هوية خاصة بـ"سكس فلاجز" تعتمد على تحطيم الأرقام القياسية في سرعة الألعاب وارتفاعها.
توفى "أنجوس" في 12 مارس 1979 ونعاه العالم بكونه أحد المبتكرين العِظام في الترفيه خلال القرن الـ20، واستمرت سكس فلاجز في النمو حتى أضحت بحلول 1990 أكبر مشغل للمتنزهات الترفيهية في أمريكا الشمالية، لكن استمرار النمو بشكل غير مدروس أدى إلى أزمة مالية كادت أن تتسبب في إفلاس إمبراطورية الترفيه عام 2009 ما دفعها إلى إعادة هيكلة كاملة تخلت فيها عن بعض الفروع وأعادت تموضعها، كما وضعت إستراتيجيات جديدة تركز أكثر على الداخل الأمريكي وتحقيق أرباح أكبر وهذا مكنها في النهاية من استعادة قوتها ماليًا بعد عام واحد فقط.
ظلت العالمية مشكلة وتحدٍ آخر أمام سكس فلاجس إذ لم يفضل مؤسسها "أنجوس" التوسع خارج أمريكا الشمالية خوفا من تكلفة مالية باهظة وتأثير في الأرباح والنمو، وهو نهج اتبعته الشركة حتى بعد وفاته، لكن في 2014 بدأت أولى المحاولات بمشروع متنزه ترفيهي ضخم ضمن مجمع دبي للمتنزهات بتكلفة مبدئية قدرت بـ 500 مليون دولار وقتها، وتم توقيع الاتفاقيات مع الشركة الإماراتية "دي إكس بي" للترفيه على أن يتم افتتاح المتنزه في 2019 لكن تم إلغاء المشروع لاحقا بسبب مشاكل التمويل وضعف الإيرادات المتوقعة كما أن الشركة الإماراتية كانت تعاني خسائر مالية من الأساس.
حدث غير مسبوق
الطفرة التي أحدثتها السعودية في قطاع الترفيه بعد 2016 أغرت "سكس فلاجز" بالمحاولة مرة أخرى خاصة أن تلك المرة سيكون دخولها إلى الشرق الأوسط عبر أكبر دولة خليجية وأهم سوق للترفيه في المنطقة، كما أن القدية تعد أكبر مشروع ترفيهي ورياضي وثقافي في السعودية وتتجاوز الاستثمارات فيها 10 مليارات دولار، لذلك وصفت وسائل الإعلام الكبرى مثل مجلة "بيبول" الأمريكية والمتخصصة في قطاع الترفيه افتتاح "سكس فلاجز" في الرياض بأنه "حدث غير مسبوق قادر على لفت الأنظار طويلا"، بينما المستفيد الأكبر هم المقيمين داخل السعودية سواء سائحين أو مواطنين إذ بات الآن بإمكانهم الاستمتاع بثورة "أنجوس" وطفرة السعودية مقابل 325 ريالا فقط.




