في ظل التحولات التي يشهدها قطاع البناء في السعودية، ومع تطبيق كود البناء السعودي ورفع معايير الجودة في المشاريع، برزت الحاجة إلى كفاءات قادرة على إدارة الملفات الفنية الدقيقة، خصوصًا في مجالات العزل المائي والحراري التي أصبحت عنصرًا إلزاميًا في أي مشروع إنشائي.
وفي هذا السياق، تظهر نماذج مهنية جديدة تبرز تغير ملامح سوق العمل، من بينها تجربة فوزية العتيبي التي تمثل امتدادًا لدخول المرأة السعودية إلى قطاعات كانت حتى وقت قريب بعيدة عن حضورها.
لم يكن طريق العتيبي إلى هذا المجال تقليديًا؛ إذ بدأت مسيرتها من تخصص الخدمة الاجتماعية، قبل أن تنتقل إلى العمل الإعلامي، لتجد نفسها لاحقًا داخل أحد أكثر قطاعات البناء حساسية وتعقيدًا. دخولها لم يكن مخططًا له، لكنه تحول مع الوقت إلى مسار مهني واضح، مدفوع بالخبرة الميدانية والتعلم التدريجي.
تشغل العتيبي اليوم منصب مدير حسابات كبار العملاء والمبيعات في قطاع العزل، حيث تدير مشاريع تصل قيمتها إلى ملايين الريالات. ويأتي ذلك في وقت أصبح فيه العزل عنصرًا أساسيًا في البناء، بعد ربط استلام المشاريع باشتراطات شركات التأمين وضرورة الالتزام بكود البناء السعودي.
وتؤكد العتيبي لـ"الاقتصادية" أن العزل لم يعد خيارًا، بل أحد أهم بنود البناء، نظرًا لدوره في حماية المباني من التسربات وتأثيره المباشر في استهلاك الطاقة وجودة الحياة داخل المسكن، وهذا التحول انعكس على حجم السوق، حيث قد تصل تكلفة العزل إلى نحو 150 ريالًا للمتر، فيما تتجاوز بعض المشاريع حاجز المليون ريال، خاصة في المناطق ذات الطبيعة الجغرافية الخاصة مثل حي الوادي في الرياض.
ورغم تنوع المواد المستخدمة بين المحلية والمستوردة، والتي تعتمد جزئيًا على مواد خام من أرامكو السعودية إلى جانب تقنيات أمريكية وأوروبية، فإن الأنظمة الحالية حدّت من استخدام المواد منخفضة الجودة. وتشير العتيبي إلى أن السوق لم تعد تقبل إلا بالمواد ذات المستوى العالي، في ظل رقابة مشددة من شركات التأمين التي ترفض استلام أي مشروع غير مطابق للمواصفات.
ورغم النمو المتسارع في الطلب، ترى العتيبي أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الأسعار، بل في جودة التنفيذ، خاصة مع دخول عدد كبير من العاملين الذين يصفون أنفسهم بالمتخصصين دون امتلاك الخبرة الكافية.
وفيما يتعلق ببيئة العمل، تؤكد العتيبي أن الفرص وسلّم الرواتب في هذا المجال لا يفرّقان بين الرجل والمرأة، إلا أن الحضور النسائي في المواقع الميدانية لا يزال محدودًا. وتستشهد بتجربتها خلال مشاركتها في اجتماع إقليمي لقطاع العزل في دبي، حيث كانت المرأة الوحيدة بين الحضور، في مؤشر يعكس حجم الفجوة، لكنه في الوقت ذاته يبرز فرص التغيير.
وتستعد العتيبي لإطلاق بودكاست توعوي يهدف إلى نقل خبرتها في قطاع العزل إلى الملاك والمستثمرين، في خطوة تعكس توجهًا متزايدًا نحو نشر المعرفة الفنية وتمكين العملاء من اتخاذ قرارات أكثر وعيًا في مشاريع البناء.
قصة فوزية العتيبي تمثل نموذجًا لتحولات أوسع يشهدها سوق العمل في السعودية، حيث لم تعد المسارات المهنية حكرًا على تخصصات بعينها، كما لم تعد بعض القطاعات مغلقة أمام المرأة. رحلة بدأت بالصدفة، لكنها انتهت بمسار مهني مختلف، يؤكد أن الخبرة والتجربة قادرتان على إعادة رسم الطريق، حتى في أكثر المجالات تخصصًا ودقة.

