اعتاد المستهلكون على استئجار السيارات والشقق المفروشة وحتى الأزياء الفاخرة، لكن سوق الاقتصاد التشاركي في السعودية بدأت تشهد نموذجاً مختلفاً وأكثر جرأة، يتمثل في تأجير أطقم الألماس والمجوهرات الفاخرة.
فكرة كانت تبدو حتى وقت قريب بعيدة عن الواقع، إلا أنها تحولت اليوم إلى مشروع ناشئ يحمل اسم "Piece of Jewelry"، وهي منصة متخصصة في تأجير الألماس والمجوهرات الثمينة للعملاء الراغبين في الظهور بإطلالات فاخرة دون تحمل التكلفة الكاملة للشراء.
فكرة بدأت من موقف اجتماعي
يقول مؤسس المنصة سعد العاصمي إن الفكرة ولدت من موقف بسيط داخل دائرة الأصدقاء والعائلة، عندما استعارت إحدى صديقات زوجته طقم ألماس لارتدائه في مناسبة اجتماعية، بسبب عدم رغبتها في تكرار ارتداء الطقم الذي تمتلكه مسبقاً.
هذا الموقف دفعه للتفكير في سلوك استهلاكي شائع بين كثير من النساء، يتمثل في امتلاك مجوهرات باهظة الثمن تُستخدم مرات محدودة فقط، رغم ارتفاع تكلفتها. ومن هنا ظهرت فكرة إنشاء منصة تتيح استئجار المجوهرات بدلاً من شرائها.
ومع تطور الدراسات الأولية للسوق في الرياض والمنطقة الشرقية، توسعت الفكرة لتشمل الذهب أيضاً، بعد رصد اهتمام متزايد لدى العملاء بتجربة تصاميم مختلفة بشكل مستمر بدلاً من الاكتفاء بقطعة أو طقم واحد.
الاستفادة من الأصول غير المستغلة
بحسب العاصمي، كشفت الدراسات أن كثيراً من النساء يحتفظن بأطقم زواج أو مجوهرات ثمينة لا تُستخدم إلا نادراً، فيما لا ترغب أخريات في ارتدائها مجدداً رغم قيمتها المرتفعة.
هذا الواقع فتح الباب أمام نموذج اقتصادي جديد يقوم على تحويل المقتنيات الراكدة إلى أصول مدرة للدخل، من خلال عرضها للتأجير عبر المنصة، بما يحقق منفعة للمالكات ويمنح العملاء فرصة الوصول إلى مجوهرات فاخرة بتكلفة أقل.
من 80 ألف ريال إلى جولة استثمارية بمليوني ريال
بدأ المشروع باستثمار أولي قُدر بنحو 80 ألف ريال لتطوير التطبيق، إلا أن التحديثات التقنية والتطوير المستمر رفعا التكلفة إلى قرابة 200 ألف ريال.
وبعد الانتهاء من بناء المنصة، انطلقت رحلة البحث عن التمويل، مستفيدة من دعم عدد من رواد الأعمال والمستثمرين الذين آمنوا بالفكرة منذ مراحلها الأولى، مؤكداً أن كثيراً من المشاريع الواعدة تتعثر بسبب التردد وعدم اتخاذ الخطوة الأولى.
ومع إطلاق الجولة الاستثمارية، شهد المشروع اهتماماً واسعاً، حيث تجاوز عدد المستثمرين المهتمين 2700 مستثمر، فيما تمكن الفريق من جمع المبلغ المستهدف البالغ مليوني ريال خلال أسبوع واحد فقط. كما كان المستثمر فهد الشدي من أوائل المنضمين إلى المشروع منذ الأيام الأولى للجولة الاستثمارية.
انطلاقة تشغيلية مبكرة ومؤشرات واعدة
رغم أن المنصة انطلقت رسمياً قبل أسبوعين فقط، فإنها تضم حالياً نحو 80 طقماً معروضاً عبر التطبيق، تصل قيمة بعضها إلى 100 ألف ريال.
كما تمتلك المنصة أطقم ألماس ومجوهرات تتراوح قيمتها بين 100 ألف و3 ملايين ريال، إلا أنها مخصصة لفئة محددة من العملاء ولا تُعرض بشكل مباشر داخل التطبيق.
وخلال أول أسبوعين من التشغيل، نجحت المنصة في تأجير سبعة أطقم، محققة إيرادات قاربت 10 آلاف ريال، في مؤشر أولي على وجود طلب فعلي في السوق على هذا النوع من الخدمات.
بناء العلامة التجارية قبل الأرباح
يؤكد مؤسس المنصة أن الأولوية الحالية لا تتمثل في تحقيق الأرباح السريعة، بل في بناء العلامة التجارية وتعزيز الوعي بالخدمة الجديدة داخل السوق.
ولهذا الغرض، خصصت الشركة ميزانية تسويقية تصل إلى 1.5 مليون ريال خلال الأشهر الستة المقبلة، إضافة إلى 200 ألف ريال لحملات إعلانية جديدة تستهدف توسيع قاعدة العملاء وتعريف السوق بالنموذج الجديد.
كيف تتم عملية التأجير؟
تتم عملية الحجز بالكامل عبر التطبيق، فيما يتوجه العميل إلى الفرع لاستلام الطقم.
وتمنح المنصة العميل فترة استخدام تصل إلى 73 ساعة، تشمل اليوم السابق للمناسبة ويوم المناسبة واليوم التالي لها، على أن تتم إعادة الطقم قبل الساعة الحادية عشرة مساءً في الموعد المحدد.
وبعد كل عملية تأجير، تخضع المجوهرات لسلسلة من إجراءات الفحص والتنظيف والتعقيم للتأكد من سلامتها والحفاظ على جودتها.
ضمانات لحماية الأطراف كافة
نظراً لارتفاع قيمة المجوهرات المعروضة، تعتمد المنصة على منظومة من الضمانات المالية والتنظيمية لحفظ حقوق جميع الأطراف.
وتشمل هذه الضمانات تقديم مبالغ مالية تعادل قيمة الطقم المستأجر، أو توفير كفيل، أو تقديم مستندات وضمانات مالية معتمدة بحسب حالة العميل وطبيعة القطعة المستأجرة.
كما تعمل المنصة كحلقة وصل بين مالك المجوهرات والمستأجر، حيث تتولى إدارة العقود والضمانات والمطالبات المالية، وتتحمل جزءاً من المخاطر التشغيلية لضمان حقوق أصحاب الأطقم المعروضة.
نموذج جديد للاقتصاد التشاركي
تُحتسب رسوم التأجير كنسبة من القيمة السوقية للطقم، وقد تصل في بعض الحالات إلى 5%، مع انخفاض النسبة كلما ارتفعت قيمة القطعة المؤجرة.
ويعكس هذا المشروع اتجاهاً متنامياً في السوق السعودية نحو نماذج الاقتصاد التشاركي والاستفادة من الأصول غير المستغلة، وهي نماذج بدأت تتوسع من العقارات والسيارات إلى قطاعات أكثر تخصصاً.
وفي وقت يبحث فيه المستثمرون عن أفكار مبتكرة وأسواق جديدة، يبدو أن تأجير الألماس والمجوهرات الفاخرة قد يتحول إلى أحد النماذج الاستثمارية الناشئة التي تستفيد من تغير أنماط الاستهلاك وتفضيل الوصول إلى المنتج بدلاً من امتلاكه.
فبعد أن كانت الحاجة أم الاختراع، أصبحت الحاجة اليوم بوابة لفرص استثمارية جديدة، حتى وإن كانت هذه الفرص تأتي هذه المرة في صندوق مجوهرات فاخر.

